مقالات

يحيى.. اصدق انباءا من كل قول

نبيل الصوفي يكتب: يحيى.. اصدق انباءا من كل قول

الخوخة اولا والمقاومة الوطنية ثانيا ثم تهامة واليمن، كلها خسرت “يحيى وحيش”.

ضربة غادرة موجعة، سيحتفي بها الحوثي كثيرا ومعه كل الفوضويين الذين يهدمون حصون المجتمعات والجبهات بوعي وبدون وعي وهم يحرضون بعضها ضد بعضها ليمنحوا القاتل فرصة للتحرك والاستقطاب والاختراق.

لا قيمة لكل الكلام، فقد كان يحيى (أصدق انباءا من الكتب) ومن كل قول.

في أول زيارة لي الى الخوخة وهي لاتزال خط تماس مع الحوثي مطلع العام 2018 وكان شهر رمضان، سجلت حوارا قصيرا مع مقاتل داخل عربته مكتوب عليها “كتائب الوحش”.. بحثت عن التسجيل في ارشيفي ولم اجده للأسف ولكني سأصل اليه وانشره.

كان اللواء الاول تهامة الذي تعد كتائب الوحيش جزء منه قد تمكن مع اللواء الثاني تهامة ايضا من تحرير الخوخة، وهذه الالوية يومها كانت ضمن قيادة عمليات الحرب التي يشرف عليها جيش الامارات العربية المتحدة في الساحل الغربي وتديرها ماكنات تعرف بـ”الادارة العامة لقوات العمالقة”.

ومع انضمام حراس الجمهورية زاد زخم المعارك وتحركت الحرب شمالا وزاد عدد المقاتلين واتسعت ادارتهم، حيث تحولت الكتيبة في اللواء الاول تهامة الى مسمى اللواء التاسع عمالقة وعين قائدا له “الشيخ يحيى وحيش”.

شابا مقاتلا.. لا يكترث للسياسة ولا تشوشه معارك الفوضى والفراغ، هدفه المعركة في الميدان لنصرة المظلوم ضد بغي الحوثي وايدلوجيته.

شكلت الالوية التهامية رافعة اجتماعية لأبناء الأرض الذين انتقلوا من طور اللامبالاة الى قلب القيادة والفاعلية.

تحولت الخوخة مركزا مهما في سياق معركة أكبر، فالمقاتلون يملئون أفقها كرفاق في جبهة النصر والشهادة من كل المناطق والمذاهب والاتجاهات، من يؤمن بالشهادة لصناعة النصر وملتزم للقيادة وعملياتها.

والسياسيون منقسمون حول فتات الحضور، هذا يتحدث باسم دولة للخوخة، يحكمها أبنائها.. وذاك يقول بل هي تهامة للتهاميين كلهم واخر يقول نحن الجنوبيون ورابع يقول كلنا يمنيون.

سياسيون يستعجلون معاركهم، فيما يقف “يحيى” في مترسه لا يرى سوى “الحوثي” عدوا ومعركة. ومن الوفاء للحرب في عرف “يحيى” أن تحفظ أرض النصر ويثبت أمنها واستقرارها، وقد أسهم لوائه في منح “الخوخة” هذا الشعور بالأمان. هي مدينة صغيرة تجمع فيها مقاتلون من كل مكان، ونازحون أيضا، عدوهم المشترك موجوع من هكذا مدينة انتزعت نصرها من “كبده” في ضوء النهار..

كان قياديا وسطا بين الجميع، هو ابن اللواء الاول تهامة وهو القائد في العمالقة وهو شريك لحراس الجمهورية في المترس والمعركة.

ابن الخوخة الذي تعرفه ازقتها، وعينه على “دماج” هناك في أقصى الشمال حيث بدأ جهده مبكرا. والحديدة عنده كما صنعاء معارك في الطريق الى الهدف.

وصل الجميع الى قلب مدينة الحديدة، وغدرنا استوكهلم ومشاريع “السلام” الزائف الذي لايزال يتهددنا كما كان منذ لحظته الاولى.. فكل سلام مع الحوثي لم يكن سوى فخا لهزيمة تالية.

غادر الجيش الاماراتي تحت وقع إيقاف الحرب بقرار دولي، واعيد ترتيب مسرح العمليات وكان “يحيى” يقود لوائه في محيط “التحيتا” وينشط كشيخ ومصلح وبدأت علاقته بالسياسة من اعلان المكتب السياسي للمقاومة الوطنية كأحد اوائل المؤسسين فيه منذ إعلانه الأول. ولكنه ظل أقرب لمترسه منه الى مقيل السياسة وشئونها. وفي العسكرية كما السياسة كان دوما رفيقا أمينا وملتزما لقيادته منذ تسلمها الفريق الركن طارق صالح والذي أصر قبل أشهر على تعيينه قائدا للفرقة الأولى مشاة ضمن إعادة ترتيب الوية القتال الميداني من حراس الجمهورية والالوية التهامية والعمالقة.

وقد كان الفريق والعميد، رفيقان يكنان لبعضهما كل الاحترام وفي كل فعالية يتم الترتيب لها كان يسأل الفريق فريقه: “هل دعيتم يحيى وحيش”، وان نسيه المنظمون كان يتواصل به مباشرة ويفاجئ الجميع باستقباله.

مبكرا تعرفت على “الشيخ العميد”، حكى لي كيف خرج من “البحر كصياد” وانتقل مع بعض أصحابه الى “عدن” ثم الى “كتاف” ليقاتل الحوثي مدفوعا بوعيه الديني السلفي وفتاوى الشيوخ.. تحدث عن الامر ببساطة كأنه يرى الواجب كما لو كان جريان سيل او اشراقة ضوء النهار، لا نقاش حوله.. لا مخاوف ولا أطماع، هو واجب وكفى، ولذا لبى النداء.

كان يبتسم وهو يتذكر كيف التحق بالجبهات وهو الذي لم يسبق له ان تدرب حتى على حمل السلاح فضلا عن استخدامه.

جمعتني به الاسفار برا وجوا، وفي احدى رحلاتنا من المخا الى ابوظبي كان النقاش حول علاقة الإعلامي بالمقاتل، وكان كل الموجودين ينتقدون الاعلام ومعارك الإعلاميين الهامشية في التواصل الاجتماعي، وبقدر غضبه فقد كان أول من تقبل مقترحاتي لمعالجة المشكلة، كان يغضب سريعا ويستعيد هدوئه أيضا بذات السرعة، منفتحا على الآراء ولا يشارك في النقاش الا للضرورة وفيما يخص الترتيبات.

وفي اخر رحلاتنا من الرياض الى المخا، كان النقاش حول التوجهات الدينية واقترح هو على قائد المقاومة الوطنية عقد ملتقيات بين التوجهات الدينية كلها في الساحل الغربي للاتفاق على أولوية المعركة ضد الحوثي، لنتفق عليها ونعمل لها ونوحد الخطاب حولها وما دون ذلك متروك للدولة وولاة الامر.

في اخر فعالية جمعتني به قبل عيد الأضحى الأخير وقد كان لنا وقت طويل منذ التقينا، كان اول ما قاله تذكيري بصاحبنا “يوسف الغليسي”، هكذا يسميه، فالشيخ يحيى يتحدث عن “أولاده” في اللواء وفي الخوخة بصداقة وصحبة وتبسط.

سيفتقده كل شبر مر عليه.. وستبقى صورته نموذجا لما يفعله الايمان بالقضايا، ويقينا فانه قد هزم الموت وغادر الحياة لينال الخلود مع رفاقه “احياء ولكن لا تشعرون”..

رحمك الله يا يحيى وحيش والحقنا بك في الصالحين