اليمن

الهلاك المُدمِّر.. المخدرات حين تسرق العقول وتحوِّل الأحياء إلى أموات يمشون على الأرض

تقرير/ موسى المليكي

هناك عدوٌّ لا يحمل راية، ولا يعلن حربًا، ولا يُسمع له صوت، لكنه أكثر فتكًا من الرصاص، وأشد خطرًا من الأوبئة، وأسرع انتشارًا من النار في الهشيم. إنه عدو يتسلل بصمت إلى البيوت، ويطرق أبوابها دون استئذان، متخفّيًا خلف أسماء براقة ومسميات خادعة مثل “الشبو”، و”الكبتاجون”، و”الحشيش”، وحبوب يروج لها على أنها مفتاح للنشاط أو وسيلة للهروب من الضغوط، بينما حقيقتها أنها سموم قاتلة تُطفئ نور العقل، وتغتال الإنسان وهو لا يزال يتنفس.

إن المخدرات ليست مجرد مواد محرمة أو ممنوعة، بل هي مشروع متكامل لتدمير الإنسان والأسرة والمجتمع. إنها آلة هدم لا تعرف الرحمة، تبدأ بإغراء بسيط، ثم تتحول إلى قيدٍ ثقيل يكبل الضحية، حتى يصبح أسير جرعة لا تمنحه السعادة، بل تؤجل عذابه لساعات قليلة قبل أن تعيده إلى دائرة الألم والانهيار.

كم من شاب كان يحمل أحلامًا كبيرة، ويتطلع إلى مستقبل مشرق، فإذا به يسقط في مستنقع الإدمان، فيخسر تعليمه، ووظيفته، وأصدقاءه، وثقة أسرته، وربما يخسر حياته بأكملها. وكم من فتاة كانت مثالًا للطموح والأمل، انتهى بها المطاف ضحية لشبكات تستغل ضعفها أو فضولها، لتجد نفسها في طريق مظلم لا تعرف كيف تعود منه. فالمخدرات لا تميز بين غني وفقير، ولا بين متعلم وجاهل، ولا بين صغير وكبير، بل تستهدف الجميع بلا استثناء.

ولأنها تجارة الموت، فإن مروجيها لا يعرفون ضميرًا ولا أخلاقًا. هم يتاجرون بالأحلام، ويبيعون الوهم، ويجنون الثروات من دموع الأمهات، وآهات الآباء، ومستقبل الشباب. إنهم لا يرون في الإنسان إلا وسيلة للربح، ولا يعنيهم إن انتهى مدمنًا، أو سجينًا، أو مريضًا، أو جثة هامدة. فهم يبنون قصورهم على أنقاض الأسر، ويملؤون جيوبهم بثمن الدموع والخراب.

والأخطر من ذلك أن المخدرات لا تدمر الفرد وحده، بل تمتد آثارها لتضرب المجتمع كله في صميمه. فالإدمان يفتح أبواب الجرائم على مصاريعها؛ من السرقة والابتزاز والعنف الأسري، إلى القتل والاعتداء والاتجار غير المشروع. وتتحول البيوت التي كانت تنعم بالسكينة إلى ساحات للصراخ والخوف، ويصبح الأبوان في حالة قلق دائم، يترقبان مصير ابنٍ كان يومًا مصدر فخرهما، فإذا به يتحول إلى شخص لا يعرفانه، فاقدًا لمشاعره، غريبًا عن نفسه قبل أن يكون غريبًا عن أهله.

إن المدمن لا يخسر ماله فقط، بل يخسر كرامته، وصحته، وإنسانيته، وقدرته على اتخاذ القرار. ومع مرور الوقت يصبح مستعدًا للتضحية بكل شيء من أجل جرعة واحدة؛ يبيع ممتلكاته، ويكذب على أحبائه، وقد يسرق أقرب الناس إليه، لا لأنه ولد مجرمًا، بل لأن الإدمان سلبه عقله، وأصبح هو السيد، بينما صار الإنسان عبدًا له.

ولعل أكثر ما يثير القلق أن تجار السموم أصبحوا يستخدمون وسائل أكثر دهاءً لاستهداف الشباب. فمن خلال وسائل التواصل الاجتماعي، ورسائل مجهولة، ووعود كاذبة بالنشوة أو زيادة التركيز أو التخلص من الاكتئاب، يتم استدراج الضحايا بخطوات صغيرة، حتى يجد الشاب نفسه داخل دائرة يصعب الخروج منها. إنها حرب نفسية قبل أن تكون تجارة محرمة، تعتمد على استغلال الفراغ، وضعف الوعي، والمشكلات الأسرية، وضغوط الحياة.

ولهذا فإن مسؤولية المواجهة لا تقع على الأجهزة الأمنية وحدها، رغم دورها الكبير في ملاحقة المهربين والمروجين، بل هي مسؤولية جماعية تبدأ من داخل الأسرة. فالأب الذي يصغي لابنه، والأم التي تحتضن أبناءها بالحب والحوار، والمعلم الذي يزرع الوعي في نفوس طلابه، والإمام الذي يذكر بحرمة إفساد النفس، والإعلامي الذي يكشف حقيقة المخدرات، كل هؤلاء يشكلون خط الدفاع الأول في مواجهة هذا الخطر الداهم.

إن الحوار داخل الأسرة لم يعد خيارًا، بل أصبح ضرورة.

فالأبناء يحتاجون إلى من يسمعهم قبل أن يسمعهم رفاق السوء، ويحتاجون إلى من يحتوي مشكلاتهم قبل أن يبحثوا عن حلول مزيفة في جرعة قاتلة. كما أن مراقبة التغيرات المفاجئة في السلوك، والانتباه لدوائر الأصدقاء، والتعامل المبكر مع أي مؤشر خطر، قد ينقذ حياة كاملة من الضياع.

ولا يقل دور المدرسة أهمية عن دور الأسرة، فهي ليست مكانًا للتعليم فقط، بل مؤسسة لبناء الشخصية وصناعة الوعي. ومن هنا تأتي أهمية البرامج التوعوية، والأنشطة الثقافية والرياضية، التي تملأ أوقات الشباب بما ينفعهم، وتمنحهم الثقة والقدرة على مقاومة الضغوط والإغراءات.

كما أن وسائل الإعلام مطالبة بأن تكون شريكًا حقيقيًا في هذه المعركة، من خلال حملات توعوية مستمرة، وقصص واقعية تكشف النهاية المأساوية للإدمان، بعيدًا عن التهويل أو التهوين، فالحقيقة وحدها كافية لتدق ناقوس الخطر.

إن المخدرات ليست مشكلة شخص واحد، ولا قضية أسرة بعينها، بل هي قضية وطن بأكمله. فكل شاب يضيع هو خسارة لطبيب أو مهندس أو معلم أو قائد كان يمكن أن يسهم في بناء المجتمع. وكل مدمن هو طاقة أُهدرت، ومستقبل أُحرق، وحلم تبخر قبل أن يرى النور.
ولذلك فإن الصمت لم يعد مقبولًا، والتهاون لم يعد مبررًا.

إن التغاضي عن مروج، أو التستر على مهرب، أو تجاهل علامات الإدمان، ليس حيادًا، بل مشاركة غير مباشرة في استمرار هذه الكارثة. إن حماية المجتمع تبدأ بالإبلاغ عن كل نشاط مشبوه، وبالتعاون مع الجهات المختصة، وبنشر الوعي في كل بيت ومدرسة وحي.

فلنتذكر دائمًا أن المخدرات لا تمنح القوة، بل تسرقها. لا تمنح الحرية، بل تصنع العبودية. لا تمنح السعادة، بل تؤجل الألم حتى يصبح أكبر وأقسى. وما يبدأ كتجربة عابرة قد ينتهي بمأساة لا تنتهي آثارها عند شخص واحد، بل تمتد لتطال أسرة كاملة، وربما مجتمعًا بأسره.

وفي الختام، فإن مستقبل الأوطان لا يُبنى بالمخدرات، بل بالعلم والعمل والإيمان والوعي. وكل يد تمتد لتحمي شابًا من السقوط، هي يد تبني وطنًا أكثر أمنًا وقوة واستقرارًا. وكل كلمة توعية قد تكون سببًا في إنقاذ حياة، وكل موقف حازم ضد المروجين هو خطوة نحو مجتمع أكثر سلامًا.

فلنقف جميعًا صفًا واحدًا في مواجهة هذا الهلاك المدمر، قبل أن يسرق منا المزيد من الأحلام، ويحوّل شبابنا إلى ضحايا، وأسرنا إلى بيوت يسكنها الألم. فالمخدرات ليست نهاية طريق فحسب، بل بداية سلسلة طويلة من المآسي، ولن يوقفها إلا الوعي، والتكاتف، واليقظة، والإرادة الصادقة في حماية الإنسان قبل فوات الأوان.