زبيد والحرب الحوثية على التراث التهامي.. تفاصيل مرعبة

تهامة 24 ، تقرير خاص
تمارس مليشيات الحوثي الكهنوتية حربا شعواء ضد التراث التهامي في زبيد تتمثل في تشييد الدفاعات ونهب الآثار وزرع العبوات الناسفة بجوار المباني التاريخية والقلاع والآثار القديمة التي تجعل منها متارس وتغير جدرانها بألوان شعاراتها الجوفاء.
وافادت مصادر محلية في زبيد ل-“تهامة 24” باشتداد ضراوة الحرب الحوثية ضد الحضارة التهامية في هجمات متكررة تمثلت في النهب المنظم وتهريب القطع الأثرية النادرة وسرقة وإحراق مخطوطات تعود لآلاف السنين.
ووفق المصادر نهبت جائحة الإرهاب الحوثية كنوزاً ثمينة من “مكتبة” و”قلعة” مدينة زبيد، ومحفوظات نفيسة ظلت محفوظة كمعالم لحضارة كانت يوماً معلماً للثقافة والفكر والأدب.
وتنوعت الجرائم الحوثية تجاه زبيد بين النهب والتدمير والتهجير القسري والتفخيخ بالعبوات قرب المباني الأثرية، في ضربات حربية مشتركة طالت التاريخ والأرض والإنسان معاً.
وشيدت مليشيا الحوثي ثكناتها العسكرية داخل عشرات المنازل في محيط المدينة التي يعود تأسيسها للقرن الميلادي الـ9، علاوة على تحويل مخازن أخرى للأسلحة والذخيرة.
اقرأ ايضا: مهجرون يزيحون الستار عن ما تفعله مليشيات الحوثي في الجراحي
وتقع “زبيد” في الساحل الغربي لليمن، ومنذ العقود الأولى للإسلام كانت شعلة للفكر التنويري ومركز علم مرموقاً، حتى إنها عرفت بمدينة “الروح” و”العلم والعلماء” و”أكسفورد الشرق” ومعقل الأشاعرة.
وظل إرث زبيد الحضاري، ثاني أهم المدن اليمنية التاريخية بعد صنعاء القديمة، الأكثر جذباً للسائحين وطلاب العلم والباحثين حتى ما قبل الانقلاب الحوثي، الذين حولوها لمدينة طاردة للسكان، بعد تجسيده العقيدة الإيرانية الإرهابية المماثلة لتنظيمي “داعش” و”القاعدة” والتي دمرت بتوجيه خفي من الملالي إيران الإرث الحضاري العربي في اليمن و سوريا والعراق .
وحول الاجتثاث الحوثي لجذور التاريخ اليمني، حذر أستاذ التاريخ بجامعة تعز الدكتور أمين المخلافي، المبعوث الأممي مارتن جريفيث، من استمراره في رعاية عملية سلام تمنح المليشيا وقتاً لتدمير التراث اليمني، لا سيما مدينة زبيد التي تلقت طعنات مميتة من الإرهاب المدعوم من نظام طهران.
وأكد الباحث إن بصمات إيران واضحة خلف ذلك، من أجل تدمير ذاكرة المجتمع اليمني وتشكيل وعي جديد يتحول مستقبلاً إلى قنابل موقوتة مع محيطه العربي.
وأضاف أن زبيد وهي معلم تاريخي لدراسة العلوم الفقهية تخالف دعوة مليشيا الحوثي التعصبية ذات المشروع الإيراني المبطن.
وبيّن أن محتويات مكتبة زبيد وآثارها ومخطوطاتها والكتب العلمية والتاريخية القديمة التي تهم العالم كله تعرضت للنهب الحوثي الكبير، وفي توقيت تنشغل الأمم المتحدة ويعجز مجلس الأمن عن فتح ممر إنساني شرق مدينة الحديدة.
وأشار المخلافي إلى أن العديد من الكتب تعود إلى عصور ما قبل الهجرة ومخطوطات أخرى مكتوبة على جلود الحيوانات، إضافة إلى الكتب التي وثقت اﻷنساب والفقه والميراث والكثير منها علمية وغيرها عائد لزمن الدولة الزيادية،ونبه إلى أن الحوثيين نهبوا أيضاً المدافع الأثرية القديمة التي كانت في مكتبة زبيد الأثرية، والمولد الكهربائي وقطعاً أثرية مختلفة.
وظلت زبيد مركزاً ذا صيت لامع على مستوى اليمن والعالمين العربي والإسلامي، كونها مدرسة لجميع المذاهب الدينية السنية المنتشرة في معظم أنحاء العالم الأسلامي ذي الأغلبية السنية ومنارة تعليم للإسلام الصحيح، ومثلت لعدة دويلات عاصمة للحكم.
ويؤكد باحثون إن زبيد مثلت مكان جذب وملاذاً آمناً لعدد من العلماء وطلاب العلم الذين وفدوا إليها من جميع أرجاء اليمن والجزيرة العربية وبلاد مصر والمغرب العربي، وأدرجت من قبل منظمة اليونسكو منذ عام 2000 ضمن التراث الإنساني المهدد بالخطر.
ويقول خبراء يمنيون إن المليشيا التي هدمت مؤسسات الدولة لن تتوانى في هدم التاريخ، كما أنها استهدفت قبل ذلك بالمدفعية قلعة “القاهرة” ومكتبة السعيد بتعز، وأحرقت مكتبة بني بهلول في صنعاء، ومتحف اثري في ذمار لطمس الحضارة الإسلامية اليمنية. ودأبت منذ الانقلاب وتوسعها في البلاد إلى تحويل القلاع التاريخية إلى سجون ومعسكرات، تجنباً لغارات التحالف العربي التي تضع المباني الأثرية ضمن قائمة “اللاهدف”.
واشاروا إلى إن مليشيات الحوثي تمارس حرباً ضد التراث، وإن تشييد الثكنات العسكرية التي يعتمد فيها الحوثيون على التفخيخ والتلغيم جوار ووسط المباني الأثرية، يعد إرهاباً بالغ الخطورة.
ويقدر عدد المساكن التاريخية داخل زبيد بـ1200 مسكن، وهي المسجلة في قائمة التراث العالمي، ويصل عمرها أكثر من 500 عام، حسب بيان الجمعية اليمنية لحماية المعالم التاريخية.
ويرسم قرابة 139 منزلاً لوحة تاريخية زاهية، على امتداد الباحة الواصلة من بوابة مدينة زبيد الشرقية حتى السوق القديم، لكن ذلك بات مشوهاً بفعل الشعارات الدعائية لمليشيا الحوثي وصور قتلى عناصرها.
ووصف الكاتب اليمني حسن العديني تدمير المعالم الأثرية ونهب المخطوطات والوثائق بـ”الغارات العنيفة” ضد التاريخ والحضارة اليمنية.
وقال العديني، في مقال، إن ذلك أسلوب يعود إلى عصور سابقة عندما عمدت الأئمة إلى هدم القلاع والحصون والقصور التي ترمز إلى شموخ قديم وحضارة يمنية زاهية.
وأضاف “هكذا امتدت أياديهم إلى التراث يسرقون المخطوطات، وقد يحرقونها أو يبيعونها أو يحاولون تزويرها، ما جعل المنظمة الإسلامية للثقافة والتربية تصرخ ضد نهب المخطوطات من مدينة زبيد الأثرية”.
وتملك مدينة زبيد في طيات سورها التاريخي نحو 86 مسجداً، وكانت بمثابة مدارس علمية فكرية ومصدراً مهماً للعالمين العربي والإسلامي، وهي تؤوي اليوم أكثر من 50 ألف نسمة، يعيش ما تبقى منهم عرضة للإرهاب الحوثي ودروعاً بشرية للتحصينات القتالية.
وتئن زبيد التاريخ والحضارة اليوم من إهمال واجتياح محلات وبيوت البلك والإسمنت وبدء منازلها القديمة بالتهاوي بسبب السعي الحوثي الإيراني لإلباس زبيد هوية غير هويتها التهامية السنية التي كانت في إبان الدولة الرسولية تشكل مصدر إشعاع فكري وديني وحضاري على امتداد رقعة العالم الإسلامي بل والعالم أجمع والذي ضمها إلى قائمة تراثه العالمي قبل نحو 20 سنة الماضية.