المجتمعات وظاهرة التَّكَيُّف مع الواقع
المجتمع الذي يُترك لمصيره الذي يقرره واقع مؤلم، ينتهي به المطاف إلى التّكَيُّف مع هذا الواقع .
والتكيف يعني أن المجتمع يعيد بناء حياته بما يتفق مع معطيات ومخرجات هذا الواقع بما في ذلك الظلم ، الفساد ، الجهل ، العنصرية ، الفقر ، المحسوبية ، التفاوت الاجتماعي في الثراء والفقر ، وغيرها من مظاهر التخلف التي تفتك بالمجتمعات .
يحدث هذا كثيرًا عندما تفشل الثورات وحركات التغيير السياسي والاجتماعي في تحقيق أيٍّ من أهدافها ، ويفقد المجتمع ثقته في النخب السياسية والاجتماعية ، ويعيش المثقف حالة من العزلة بعد أن يفقد صلته بالمجتمع وتتسع الهوة بينهما .
المجتمعات التي تتكيف مع الواقع على هذا النحو تصبح سهلة الانقياد لمن يتربع على كرسي الحكم . وهي تطيع الحاكم أيًا كانت توجهاته ، وأيًا كان منهجه في الحكم .
المهم هو ان يكون الحاكم قويًا بما الكفاية :
ا-إما لتغيير المجتمع ، وهو بهذا يسلك طريق المغامرة حينما يصبح التغيير همًا مرتبطًا بالحالة الوجدانية للحاكم دون توفير الشروط المعروفة للتغيير ، وأهمها الحريات والتعدد السياسي والتنوع وخلق الآليات القانونية والسياسية والثقافية لها .
ب- أو لحماية ورعاية التكيف الذي يغدو ظاهرة ثقافية وسلوكية ملازمة للمجتمع . وتصبح الطاعة أهم منتجاتها . ويتولى الحاكم هنا نشر ثقافة الطاعة على نطاق واسع وبصورة لا تسمح بتحريك حوافز التفاعلات الاجتماعية المقاومة لهذه الثقافة .
منذ زمن بعيد والمجتمع اليمني يُعَدُّ للتكيف مع واقع استعصى تغييره . كل أنظمة الحكم التي تعاقبت على اليمن سعت إلى إجبار المجتمع على التكيف مع منهجها في الحكم . والحالات ، التي استطاعت فيها شرائح من المجتمع أن تعبر عن رفضها للواقع ، قُمعت وسَكَنت ، أو انها قُمعت وأجبرت على اللجوء إلى العنف .
مع المدى استبدل القمع بالمراوغة بمشروع شبه ديمقراطي استفاد منه الحاكم أكثر من المجتمع بإكسابه مشروعية قمع الخصم بأدوات “سياسية” وبقفازات حريرية . ومعها تكيف المجتمع مع هذا النوع من القمع ، وراح يتمرغ فيه ويمارس ما اعتبره حقًا ديمقراطيًا في اختيار الحاكم ، بينما لم يكن في الحقيقة سوى أحد مشغولات منهج إعداد المجتمع للتكيف الذي أخذ يفْصِل المجتمع عن التمسك بحقوقه السياسية والقانونية عبر انهاكه بمعضلات الحياة ومتطلباتها اليومية ، وشحنه بثقافة الطاعة ، وفصله تدريجيًا عن نخبه السياسية والاجتماعية والثقافية التي أخذت تعترك فيما بينها فيما يعكس الصراع على البقاء أكثر مما يُعتقد أنها معارك لإنقاذ المجتمع من التكيف مع الواقع .
ومما يستدل به على صحة ذلك ، هو أن هذه المعارك كانت غالبًا ما تنتهي بتوزيع مناصب الدولة ومصادر الثروة بين هذه النخب في مشهد يعكس حجم الفجوة مع المجتمع .
ما يشهده المجتمع اليمني اليوم هو تكيُّفٌ مع واقع تؤكد كل المؤشرات على أنه يسير باليمن إلى نهايات مجهولة . وفي حين يعمل الحوثي على قمع المجتمع وضبط هذا التكيف في مناطق سيطرته بقوة السلاح والترهيب وتكريس مفاهيمه الكهنوتية في الحكم والسيطرة ، فإن المجتمع الذي تسيطر عليه الشرعية يتمتع بقدرٍ من الحريات ، لكن آليات هذا القدر من الحريات أخذت تنتج حالة من التفكك السياسي والاجتماعي ، بسبب أن هذه الآليات مبرمجة على إنتاج التفكك ، لأسباب مرتبطة بطبيعة القوى المتصدرة للمشهد السياسي وبنيتها الفكرية والأيديولوجية التي لم تستطع التحول إلى مشروع سياسي حتى اليوم .
كل هذا ناهيك عن عوامل تاريخية وجيو-سياسية يعاد إنتاجها في قلب المشهد في مناطق سيطرة الشرعية ، وهي عوامل لن تتوقف ، إذا استمر دعمها على هذا النحو ، إلا بتفكيك الجغرافيا السياسية لمناطق الشرعية دون أي مقاومة اجتماعية . بل إن كل ما يمكن ملاحظته بوضوح هو الانخراط في هذا الحراك الاجتماعي والسياسي التفكيكي ، والذي سيفضي بالنتيجة إلى واقع يستقطب المجتمع ، والتكيف مع الواقع الذي يتمخض عنه ، على نحو يصعب معه التحضير لمعركة الخلاص