انسداد آفاق السلام

مصطفى نعمان
تزداد تعقيدات الحرب اليمنية صباح كل يوم، كنتيجة منطقية للارتباك الذي صاحبها، وحذر كثيرون منذ بداياتها من أنها غير قادرة بمفردها على إنجاز أهدافها، لأن الأوضاع الداخلية اليمنية شديدة التعقيد بفعل عوامل ذاتية وأخرى موضوعية.
اليوم، بعد مرور ما يزيد على ست سنوات تزداد الصورة تشوشاً بحثاً عن النهاية المرضية للجميع، على الرغم من زعيق القوى المنخرطة في الحرب بأن الخيار الوحيد الممكن والمتاح هو الجلوس إلى طاولة مفاوضات، لكن هذا الأمر يعرقله تمسك كل طرف بما لديه من سند تختلف قوته الفعلية على الأرض. ففي حين يتمسك الرئيس، عبد ربه منصور هادي، بدعم من المملكة العربية السعودية وبالوثائق الثلاث (المبادرة الخليجية، ومخرجات الحوار الوطني، وقرار مجلس الأمن الشهير 2216)، تصر “جماعة أنصار الله” الحوثية على استخدام القوة العسكرية التي تمتلكها كورقة مقايضة، لتحقيق مكتسبات سياسية دائمة تتيح لها شراكة قوية في أي نظام سياسي مقبل. أما الطرف الثالث وهو المجلس الانتقالي الجنوبي فقد أضحى شريكاً للرئيس هادي في السلطة، واعترف بها ممثلاً لكتلة جنوبية كبيرة.
ما أكرره دائماً هو أن الضعف الذي يعتري أداء حكومة الرئيس هادي يمثل عقبة شاقة أمام صدقية تمثيلها الشرعية الدستورية التي لا تهم المواطنين وحدها، لأنها لم تكن مقرونة بالنزاهة والوجود المستدام على الأرض.ومن هنا، فإن الشرعية لن تتمكن من التفاوض من موقع يمكنها من تطبيق المرجعيات الثلاث ما لم تتمكن أولاً من استعادة ثقة اليمنيين، ولن يكون كافياً لها التعويل على دعم التحالف السياسي والمالي والعسكري. والأهم، مرحلياً، هو التوصل إلى أي صيغة تسمح للحكومة بالعودة إلى ممارسة أعمالها من داخل البلاد، لأن بقاءها في المهجر يزيد من عجزها ونقمة الناس عليها.
في الطرف المقابل، فإن استنزاف الوقت بحثاً عن بدايات لمسار السلام يصب في مصلحة “جماعة أنصار الله” الحوثية، إذ تواصل حملتها العسكرية في مأرب وحصارها المدخل الشمالي لمدينة تعز وتثبيت مواقعها في المناطق التي توجد فيها منذ 2014. ولما كانت الحرب الدائرة قد عجزت عن إضعافها فمن غير المحتمل قبولها بشروط ونتائج مفاوضات لا تضمن استمرار نفوذها وشراكتها في الحكم.
الطرف الثالث، المجلس الانتقالي الجنوبي، هو الآخر لديه مشروع خاص يتناقض كلية مع الطرفين الأولين، ولا أجد فيه منطلقات مشتركة يمكن البناء عليها مع أي منهما، إلا أنه يعلن في واقع الحال رفضه المطلق فكرة الدولة اليمنية الواحدة إلا كوسيلة مؤقتة لتحقيق أهدافه النهائية بفك الارتباط.
اليوم، أصبح التوصل إلى وقف هذه الحرب فوراً ضرورة إنسانية ملحة للذين يعيشون تحت وطأتها منذ ست سنوات، ولم تعد المطالبة بذلك ترفاً ولا مزايدة، في وقت يشهد الجميع آثارها المدمرة على حياة الناس وأوضاعهم المعيشية، والأخطر أنها تزيد من اضطراب وتعطل فكرة السلام المستدام. وعلى الرغم من قناعة كثيرين بأن وقف الحرب من دون انكسار الحوثيين لن يسمح باستقرار دائم، فإن السؤال الذي يجيب عن هذا المنطق هو: كم الوقت الإضافي وحجم الدماء المطلوب لنصل إلى نتيجة مقنعة للراغبين في استمرارها؟
حين يتوصل كثيرون إلى استنتاج مفاده أن أفق السلام صار أقرب إلى الانسداد الكامل منه إلى الانسياب، فمرد ذلك أن الأرباح المادية والشخصية التي يجنيها من يستطيعون إنهاء الحرب قد تضخمت إلى حد صار إقناعهم بالعمل على طرق سبل السلام صعباً للغاية، ما لم تكن أمامهم محفزات تغريهم على الدخول في مسار استعادة سلم المجتمع الذي انقسم بخطوط مذهبية وسلالية ومناطقية على نحو غير مسبوق في تاريخ الحروب اليمنية، وتمزق مفهوم الوطن الواحد الذي يعيش في ظله الكل بقانون واحد يلغي هذه الشروخ التي تتسع كل يوم.
- اندبندنت