جمهورية ابي

كتب: محمد صالح الردمي
الثورة بشكل مبسط هي تغيير الواقع السيء الى الافضل , وعليه فان ثورة ال 26 سبتمبر عام 1962 هي الحالة اليمنية الوحيدة التي يمكن الحديث عنها وفق هذا المعنى, فقد كانت احوال اليمنيين قبل هذا التاريخ سيئة للغاية , كان العالم يتطور في كل مجالات الحياة وكان اليمن متخلفا , وحسب حديث ابي ,الوثايق والروايات المنشورة فان بيت حميد الدين لم يكن لديهم نية لتجاوز جدار التخلف الذي شيدوه لفصل اليمن عن مايدور حوله في الاقليم والعالم عموما .
لايشعر بمعنى الجمهورية والثورة الا من عاش قبلهما, ولذلك كان ابي الذي قضى ثلث عمره في ظل حكم الكهنوت , يحدثني عن الفارق العظيم بين النظام الجمهوري وبين حكم بيت حميدالدين , في التعليم , في الصحة , في الفرص المتساوية والحياة المدنية , في الديمقراطية , وفي التنمية ,يقول ابي : لامجال للمقارنة , ولذا فان 26 سبتمبر كانت ثورة حقيقية بالنظر الى التغيير الشامل الذي تحقق لاحقا مقارنة باحوال اليمن واليمنيين قبل ذلك اليوم .
كان ابي يحدثني عن” فكرة “الجمهورية ويرى ان عظمة ذلك تتجلى – بالنسبة اليه- في انه كان يعيش في عهد “الامام” بلا افق !و بدون امل في أي ضوء عند نهاية النفق!
بعد الثورة , اتسعت زاوية الرؤية لتصبح بحجم الحلم الذي كان يراوده ويداعب خياله المفعم بالعاطفة المتدفقة وحب الشعر والكتب والرغبة في معرفة العالم الموجود خلف اسوار الدولة المتوكلية !
“التحق ابي بسلاح الاشارة وقاتل في صفوف الجمهورية في بني حشيش ومناطق اخرى , في السنين الاولى للجمهورية “,وهذا الدور – وان كان صغيرا- الا انه جزء اساسي مما انا فخور به في سيرة هذا المواطن اليمني البسيط الذي ظل _حتى وفاته في العام 2018-يعتبر الجمهورية هي المنجز الاهم لليمنيين في تاريخهم الحديث والمعاصر على الاطلاق .
كان ابي يعشق الجمهورية بصمت ويشعر تجاهها بالامتنان , فلم يعد مضطرا للبحث عن سبب غير منطقي لجهة محاولة التعاطي مع “الامام” كفكرة مقدسة تثير الرعب , وتنال من كرامة الناس !
اتذكر ان ابي كان يمنعني من تقبيل ركبتيه , حين كنت اسلم عليه في ايام الجمعة والعيد , ويبادرني بالامساك براسي ورفعه عاليا , ليقبل جبيني , ويقول لي وهويبتسم : ياولدي قد سار زمن تقبيل الركب , قد فعلنا ثورة لاجل هذا الخبر!
حين وعيت ونضج عقلي , ربطت بين ذلك القول وبين عزة النفس التي ميزت ابي – وكل اليمنيين – طوال حياته.
اتحدث عن الثورة والجمهورية كمنظومة حياة , وكفرص متساوية اتيحت لكل اليمنيين ,لا اتحدث عن منصب او مصلحة خاصة ,فابي وغيره ملايين اليمنيين لم ينظروا الى الثورة او الجمهورية كمنصب او جاه , فالتخلص من الفوارق الطبقية في المجتمع كان بالنسبة لهم ثورة حقيقية , وكذلك سطوة القانون والدستور في التعامل مع الناس بمنطق الحقوق والواجبات , وان الشعب –وليس الامام- هو مصدر السلطة وصاحب المصلحة الاولى والاخيرة , هذه المعاني كانت بالنسبة لابي ثروة , استطاع بها ان يعيش معززا مكرما , وان يحصل ابناؤه عل فرصهم في التعليم في المدرسة والجامعة , وحقهم في المعرفة , وحقهم في الحلم ب”غد جميل” و ب”بكرة افضل” ,وفي ظل النظام الجمهوري والدولة المدنية بدستورها وقانونها وديمقراطيتها , تظل هذه المعاني حاضرة ومتوهجة , وبها كنا دائما نستطيع ان نتجاوز أي اختلالات او اخفاقات هنا او هناك , لكن مايحدث اليوم من استهداف ممنهج لجمهوريتنا وثورتنا , يضع اليمنيين عل المحك لجهة الشعور الحقيقي بالقلق على حاضرنا والخوف عل مستقبل ابنائنا , في ظل مانعتقد انه عودة “الامام ” مرة اخرى , بشحمه ولحمه وفكره و احقاده , حيث منيت اليمن خلال السنوات السبع العجاف الماضية , باحداث مؤسفة , سيطر “الائمة الجدد” فيها على البلاد ومؤسسات الدولة بقوة السلاح , ورفعوا خلال ذلك شعارات الانقلاب عل ثورة اليمنيين وجمهوريتهم , واعادوا احياء خرافات الكهنوت , وعاثوا في الارض فسادا ونهبا وظلما , وباتوا يمثلون تهديدا مباشرا للسلم الاجتماعي وللاستقرار والقانون ولكل اسس ومرجعيات التعايش التي توافق عليها اليمنيون على مدى خمسة عقود مضت, كان اباؤنا خلالها يشعرون بالطمانينة على المستقبل , اما اليوم وقد صرنا “اباء” ,فقد فقدنا ذلك الاحساس , وبات الاحباط يحاصرنا من كل جهة , واصبحنا نظن ان مستقبل “ابنائنا” يكتنفه الغموض !
من اجل ذلك , ارى ان التاريخ يكرر نفسه , وان ما ناضل وعاش ابي من اجله , يتجلى اليوم من جديد كسبب ودافع لان اقوم بدور مشابه , على طريق الدفاع عن احلامي ومستقبل ابنائي , ومواصلة النضال من اجل “جمهورية ابي” وكل اليمننيين .