اليمن

السياسة النقدية في اليمن وعصا العقوبات الدولية (تقرير)

تهامة 24 ، غرفة الاخبار

إن انتقاد السياسة البنكية والنقدية للحكومة اليمنية لا يعني مديحا أو تزكية لمثيلتها الحوثية بقدر ما هو مؤشر على الوضع الحرج الذي يصل حد العجز أو اللؤم والمكر السياسي لإشاعة الفوضى الإقتصادية في المناطق المحررة نتيجة لاستعصاء تطبيق اتفاق الرياض وعودة الحكومة إلى مقراتها في العاصمة المؤقتة عدن وسعي المليشيات الإيرانية لتكريس نفسها في صنعاء كواقع لا مفر منه .

وأصبح حتى الوضع الاقتصادي المحلي مهددا بالعقوبات الدولية التي تأخذ تقارير الخبراء الأمميين بالحسبان وتبدأ تلك الدول التفكير بفرض عقوبات على مؤسسات وكيانات وشركات هي التي تمعن في إشاعة الفوضى النقدية التي يتحمل عواقبها المواطن المسكين بسوء الأحوال المعيشية التي تؤدي الى كوارث إجتماعية كالطلاق والقتل والانتحار .

عقوبات امريكية

تقول مصادر استشارية تعمل في البنك المركزي في عدن إن الإدارة الأمريكية عازمة على فرض عقوبات جديدة على البنك المركزي وعدد من شركات الصرافة المحلية.

وقال مستشار محافظ البنك المركزي اليمني في عدن رشيد الآنسي، إن الخزانة الأمريكية أبدت امتعاضها من سلبية البنك في العاصمة عدن،. وعدم قدرته على ضبط القطاع المصرفي، مبينا أنها لن تنتظر كثيراً حتى يمارس البنك دوره الصحيح.

وأشار الآنسي في منشور له على فيسبوك، أمس إلى أن الخزانة الأمريكية تدرس منذ أسبوعين جدية اتخاذ مجموعة من العقوبات والقيود ليست بالقصيرة الأجل على منشآت الصرافة، خلال الأيام القادمة ، وساق الحجة بأن بعض البنوك ومعظم شركات الصرافة لا تلتزم بموافاتهم بالبيانات عن انشطتها وفق الشفافية المطلقة.

وأوضح الآنسي أن من لا يلتزم بالشروط سيخضع للعقوبات الأمريكية وأفاد بأن الحكومة الشرعية تتدارس الأمر بوضع قائمة سوداء بأسماء الشركات. ومعالجة الاوضاع الاقتصادية، منوها بأن البنك لا يعول كثيرا على الحكومة اليمنية بأي إنجاز، وسيظل عملها مجرد نقاشات ومحاضر اجتماعات.

ولفت الآنسي إلى أن الفترة القادمة ستشهد تطورا جديدا في العقوبات الأمريكية التي ستطال شركات نفطية محلية ودولية، إلى جانب قطاع الصرافة ، ويمكن أن تكون العقوبات الدولية هي العصا الغليظة الى قد تعيد اليمني اعتبارا لدى مؤسساته التي تتلاعب بمعيشته ومستقبله كما هو الحال في لبنان الذي يخضع لحكم مليشيات طهران ويعاني المواطن الأمرين هناك .

ونتيجة لعدم توحيد سياسيات البنك المركزي في عدن وصنعاء، تتهاوى يوماً بعد آخر قيمة الريال اليمني أمام العملات الأخرى، بعدما كان سعر الدولار الواحد لا يتجاوز غالباً 215 ريالاً حتى اندلاع الحرب، التي أشعلها الحوثي عقب انقلابه على الدولة الدستورية حيث اقترب الدولار من عتبة الألف ريال مقابل الدولار الواحد وتنعكس آثار ذلك على مختلف مناحي حياة المواطنين، بخاصة بعد منع الميليشيات الحوثية تداول العملة الجديدة في مناطق سيطرتها في يناير من العام 2019 م.

تفاقم معاناة المواطنين

وفي ظل ذلك، تستمر معاناة المواطنين بشكل كبير جراء فوارق سعر الصرف ورسوم الحوالات بين مناطق الحكومة الشرعية ومناطق الميليشيات الحوثية، ما يمكن وصفه بجريمة، إقتصادية في ظل تراخ كبير من الحكومة ومؤسساتها، وعلى رأسها البنك المركزي في عدن.

وبحسب تقرير صادر عن مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي، فإن أزمة المشتقات النفطية والتراجع عن اتفاق تخصيص العائدات الضريبة والجمركية المتأتية منها، لتسليم المرتبات للموظفين المدنيين، هي أحد مظاهر الصراع الاقتصادي الذي يأخذ بمرور الوقت صوراً أكثر مأسوية في تبعاته على حياة المواطنين في اليمن.

ولفت التقرير الى أنه للمرة الأولى في تاريخ اليمن منذ توحيد شطريه الشمالي والجنوبي عام 1990، يتراجع حجم التجارة بين مناطق سيطرة مليشيا الحوثي في شمال اليمن وغربه من جهة، ومناطق سيطرة الحكومة في الجنوب والشرق من جهة أخرى بنسبة 40 في المئة وفقاً للتقرير، فيما تصاعدت رسوم الحوالات من مناطق الحكومة إلى مناطق الحوثيين لتصل إلى 50 في المئة في أعلى مستوياتها.

وأوضح أن الأرقام تظهر فقدان الريال اليمني نحو 50 في المئة من قيمته الحقيقية خلال عام 2020، مسبباً تصاعداً كبيراً في أسعار السلع والخدمات ومضاربات على العملة، مكّنت قوى من خارج القطاع المصرفي من التحكم بسعر العملة اليمنية صعوداً وهبوطاً، في ظل عجز واضح من السلطات الحكومية والبنك المركزي اليمني في عدن عن إيجاد حلول مستدامة وسياسة نقدية تساهم في إصلاح الاختلالات.

وقال صرافون عند تلقيهم شكاوى المواطنين إنهم يستفيدون من 6% فقط عمولة من إجمال الرسوم، فيما البقية تذهب فارق صرف بسبب تحويل النقود من الطبعة الجديدة الى الطبعة القديمة أو شراء عملات أخرى كالدولار والريال السعودي بها.

وأضافوا “نحن نعاني ما يعانيه المواطن اليمني، إذ نقوم بتغيير العملة الجديدة المقدمة من الزبون الى دولار أو أوراق عملة يمنية من الطبعة السابقة بسعر مرتفع جداً .

تقرير فريق الخبراء

وكان فريق خبراء الأمم المتحدة المعني باليمن قد وجه مؤخرًا اتهامات للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًّا وبنكها المركزي ومستوردي الأغذية في البلاد بالتواطؤ لاختلاس ما يقرب من نصف مليار دولار، حيث وردت تلك الاتهامات في التقرير السنوي لفريق الخبراء المقدم إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة والمنشور بتأريخ 25 يناير/ كانون الثاني،من العام الماضي واستعرض التقرير بالتفصيل مجموعة واسعة من النتائج المتعلقة بالتطورات الماضي خاصة الاقتصادية في اليمن خلال عام 2020.

وخلص فريق الخبراء في القسم الاقتصادي من تقريرهم أن الطرفين اليمنيين الرئيسيين المتحاربين في الصراع الدائر باليمن -الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًّا وجماعة الحوثيين المسلحة- حولا موارد البلاد الاقتصادية والمالية عن مسارها بشكل غير قانوني من أجل تحقيق أهدافهما الخاصة، متسببين في تعميق المحنة التي يعاني منها ملايين اليمنيين الذين يواجهون واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم.

وحدد اتهام فريق الخبراء البنك المركزي بتسهيل عملية اختلاس مبلغ 423 مليون دولار أمريكي من الوديعة البالغة ملياري دولار أمريكي قدمتها السعودية للبنك أوائل عام 2018 لتمويل واردات السلع الأساسية والمساعدة في استقرار سعر صرف الريال اليمني.

وأكد تقرير فريق الخبراء أن البنك سهّل خلال الفترة من يوليو/ حزيران 2018 إلى أوائل أغسطس/ آب 2020 الوصول إلى الأموال المسحوبة من الوديعة السعودية من خلال آلية تمويل قدمت للتجار سعر صرف أفضل من سعر صرف السوق عبر خطابات الاعتماد المستندية لتمويل شراء واستيراد البضائع من الخارج.

وقال فريق الخبراء إن من بين أولئك التجار مجموعة هائل سعيد أنعم -أكبر مجموعة تجارية في اليمن- والتي تلقّت مبلغ 194.2 مليون دولار أمريكي من الأموال غير القانونية، أي ما يقرب من نصف إجمالي المبلغ المختلس بحسب زعم فريق الخبراء ، الذي حاول التملص لاحقا من بعض إتهاماته للحكومة اليمنية .

وأكد فريق الخبراء أن اليمنيين لم يستفيدوا من نظام خطابات الاعتماد وذلك لعدم انخفاض أسعار الواردات الأساسية في السوق -أي الواردات التي شملتها خطابات الاعتماد: الأرز والقمح والسكر والحليب وزيت الطهي. لم يستفد منها المواطن المستهدف من هذه الوديعةمن الأشقاء في المملكة .

وبغض النظر عن صحة الاتهامات الواردة في تقرير فريق الخبراء، إلا أنه سلط الضوء على ما لا يمكن إنكاره من وضع يعاني فيه البنك المركزي من مشاكل واختلالات كبيرة، وهو وضع قد تنتج عنه عواقب وخيمة منها نفاد مخزون البنك من النقد الأجنبي الذي يمكن من خلاله تمويل الواردات ودعم قيمة الريال اليمني، ونتيجة لذلك سجلت قيمة الريال أدنى مستوى لها على الإطلاق مع بداية 2021 واستمر في التدهور منذ ذلك الحين.

ويؤدي ضعف قيمة العملة إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية وتراجع القوة الشرائية للمستهلكين، ما يعني أن القدرة على تحمل تكاليف توفير احتياجات الحياة الأساسية تتلاشى أكثر عند ملايين اليمنيين الذين يعتمدون أساسًا على المساعدات من أجل البقاء.

حلول ومعالجات

و على المدى القريب، يكمن الحل الوحيد لمنع تدهور القوة الشرائية للمستهلكين في توفير احتياطيات جديدة من النقد الأجنبي على نطاق واسع لتمويل واردات اليمن، ولكن لا يبدو هذا الحل وشيكًا. فالسعودية التي بدت مترددة بالفعل عن تجديد دعمها المالي للبنك المركزي ستكون أكثر إحجامًا بعد اتهامات فريق الخبراء. وبالمثل قد تعيق هذه الاتهامات حصول اليمن على دعم من المانحين المحتملين .

وقال مختصون وخبراء إقتصاديون انه من أجل المعالجات لابد من البدء في استكشاف خيارات السياسة المعقولة لتعزيز المنافسة والحد من النزعات الاحتكارية ونفوذ احتكار القلة للسوق اليمني.

وأضافوا يجب على البنك المركزي اليمني في عدن في أقرب وقت ممكن وفي ظل الإدارة التنفيذية العليا ومجلس الإدارة الجديدين للبنك اتخاذ جملة من الإجراءات منها النشر الفوري لكافة البيانات التي توضح الحصة التي تلقاها كل مستورد يمني من الوديعة السعودية.

وأكدوا أنه لا بد من الشروع في إجراءات حوكمة شاملة لإصلاح الهياكل المؤسسية والتنظيمية للبنك المركزي اليمني في عدن، وتطوير أطر السياسة النقدية وتعزيز آليات المساءلة والشفافية.

واشاروا إلى أن يشمل ذلك إصلاحًا شاملًا لنظام تمويل الواردات الخاص بالبنك المركزي ليشمل آليات المساءلة والشفافية التي تستوفي المعايير الدولية.واعتماد سياسة سعر صرف معوّم وموحد، وإلغاء الاستخدام الحالي لأسعار الصرف المتعددة للمحاسبة الداخلية والمعاملات المالية داخل الحكومة.

ويجب أن تأخذ سياسة سعر الصرف الجديدة في الاعتبار مخزون البنك من النقد الأجنبي الضعيف حاليًّا ومحاولة التأثير على جانبي العرض والطلب في سوق صرف النقد الأجنبي بشكل غير مباشر من خلال تدخلات مخططة ومدروسة بدقة.

والشروع في اتخاذ الإجراءات اللازمة لنشر البيانات المالية والإفصاحات المرتبطة بها منذ انتقال البنك المركزي إلى عدن في عام 2016.

واختتم الخبراء أنه لابد من استئناف إصدار نشرة التطورات النقدية والمصرفية الشهرية والتقرير السنوي للبنك. ويجب أن يتبنى البنك المركزي اليمني في عدن إجراءات شفافية واضحة لنشر جميع البيانات والمعلومات المتعلقة بسعر الصرف والأنشطة النقدية، والقرارات المتعلقة بتمويل خطابات الاعتماد وأسماء المستوردين المستفيدين منها وكذلك أنشطة وبيانات سوق القطاع المالي .