الطريق البعيد كغرناطة وقدمي

عبد السلام القيسي
أجدني أتذكر ياماش وهو يقول لأخيه سليم في مسلسل الحفرة: إن غادرت الحفرة فالحفرة لا تغادر منك، أتذكرها هذه اللحظة وأهمس لروحي: إن غادرت تعز يا عبد السلام فتعز لا تغادرك، هأنذا في تعز، في ركن بيتنا، أورثناها جدي أشم رائحته، وأمضغ القات هذه اللحظة وأخالني الملك، السلطان، الأميركة ألقاب المعالي.
أنا التعزي المسافر منذ ولدت، أسافر بين الطابق والطابق، بين المنزل والدار، بين أمي وجدتي، بين الضاحة والضاحة، بين القرية والقرية، بين الريف والمدينة، والآن بين المدينة والمدينة، أقضي كل عمري مسافراً فالحياة سفر طويل، سفر لا ينتهي، أقضي وقتي جله، بل كله، أعد ساعات المرور بين المدن، وأحصي دقات قلبي في المنافذ
لم يقتصر سفري المتصل على الحقيقة مذ تعلمت القراءة وأنا أسافر سافرت مع قافلة نهبت زيد ابن حارثة الى مكة، في نصف ورقة وسافرت مع عير معاذ من الجند الى يثرب في حاشية كتاب، وسافرت مع المثنى ابن حارثة طريق نجد والعراق بثلاث ورق قديم وسافرت مع المهلب الى الشرق ومع حسان ابن النعمان الى الغرب سافرت مع القتلى الى أسفل، أي سقطت، سافرت مع الحميري الى الجنوب، ومع الجنوب الى الشمال ووقفت في الشمال شمال هذه الكرة أدون عدد القتلى في البلاط وفشلت وبكل مهارتي مواصلة سفري الحضاري الى النهاية وعدت مع القشتالي الى قرطبة، وسافرت مع الهارب من قرطبة الى غرناطة وفررت مع الموريسكي الأول الى عدوة المغرب وعدت أدراجي، كما أتيت بأدراجي، عدت وكأن قافلة معاذ لم تأخذني من هنا، عدت ولعنة السفر تلاحقني أروح وأجيء .
سأحدثكم عن سفري الطويل في بلاد الله والملائكة ، عن أول حذاء داس تلك الأرض ، وكنت مسافراً معه، خف طريف المعافري ، هل عرفت المعافر أنها فتحت تلك البلاد ، قطعا لم يعرف منهم أحد ، لذا أمت لإسبانيا بسيف ، لي فيها أنا المخلافي القريب للمعافر دماء ضحيت بها وأنا أقطع الشجرة في الجزيرة الخضراء ” جزيرة طريف ” قبلما تبزغ سفن يوليان حاملة رجال يمانون على رأسهم الطارق ، أمازيغي يا سادة ، نحن غايتنا الفتح ، تحت راية الشجعان من أية بلاد ، نحن الجيوش وإن كانوا القادة ، طالما وغايتنا الشرب من الينابيع في الأودية الكبيرة بالأندلس والصغيرة بدأنا نمهد للقادمين طرقات الجهاد الى ” لكة ” الى ” استجة ”
في اسبانيا قرية القصر وفي المخلاف قرية اسمها القصر، حيث جدي العاشر ، كلتاها باسم واحد ، لنا امتداد لم يأت من فرط ، غادرتها كما قلت لكم وعدت القهقري الى هنا هربا من قشتالة وليون وشيدت على هذه الارض جدودي وليتني بقيت هناك راعيا للخنازير في باحة فرناند ، و يمكنكم الأن معرفة تعلقي الشديد بأندلسيا ، أنا أحد الذين هربوا خوفا من محاكم التفتيش ، تركت مثاوي الرجال الذين فقدوا أرواحهم طلبا للجنتين ، في الأرض والسماء ، أعتقد هكذا خطب فيهم طارق : اطلبوا بسيوفكم الجنتين ، الأندلس والأخرة
أنا من تلك المراعي ، والهضاب والجبال وكل تلك الأنهار ، تخيلوا كيف فقدوا عقولهم أحفاد الصحراء وهم يشاهدونها أول مرة ، جن جيش طارق لذا لحق به كيلا تسقط البلاد موسى ابن نصير وجن أيضا موسى فكبل طارق ، وجنت دمشق من رائحة الحكاوي وغيرتها من الأخبار المتداولة عن مالا يرى ولا خطر على قلب سليمان فاستدعاهم وكبل موسى حتى مات من المهانة وعزل طارق وإن لم يمت أنتهى ذكره ، تخيلوا عربي أتى من طفح الحجاز ، يمني من مجاهل عبس فجأة وجدوا أحذيتهم تطأ سجادة السماء في الأرض المباركة بالماء بالشجيرات .
نحن الأن في المدينة الحدودية ، في قلعتها الشامخة أحكي تاريخ العابرون بمهارتهم من هنا الى هناك ، أقطن في الفندق المعجزة بمحاذاة القلعة وأرى جبل طارق ؛ الجبل الذي منه بدأت خطوات الرجال ، ترافقنا موسيقى ساحرة في جولتنا الكتابية ، وأنتم تقرأون هذا النص يا سادة حاولوا أن ترخوا أسماعكم لصوت أندلسي فكل كلمة عن أسبانيا بلا موسيقى جافة ؛ في تلك البلاد خلقت الموسيقى ، منها كانت مزامير العالم ، اقتطعوها من شجرة مباركة ، شجرات طريف التي قٌطِعت لأغراضهم الحربية حولتها البلاد تلك الى آلات خشبية ومعازف وأوتار ونغم
أعادني النشيد الى تعز، افتتحوا قبل أيام قبالتنا ( هلا مول ) ويبدأ من الغبش بتكرار الإعلان المسجل عن التخفيضات بالملابس، يسرق نومي كل يوم، يسرق سفري الطويل وتأملي المختلف، الآن سرقني كنت اسافر عبر دنا التأريخ كنت في سرقسطة، وفجأة حضر أيوب طارش ونشيده الوطني، معلناً ابتداء العمل اليومي في المول للحرب جمائل كثيرة فشكرا للحرب التي لولاها لما النشيد يصدح بيمانيته وسط مول ملابس، الانتماء الجبار لهذا الوطن عمدته جماجم الشهداء، وبهذه اللحظة طالما خطرت الوطن ببالي وخطرت بلدتي أصبت بالتعاسة مرت أخيلاتي كلها بلمح العين، فبلادي قريبة لي وتفصلني دقائق عنها فقط، انا الذي بدأت النص من مسلسل الحفرة ومررت بالعوالم وعشت في الأندلس أنسى قريتي ليذكرني النشيد ملعونة هذه الحرب فماذا لو لم تكن الحرب ،المنافذ على عادتها مشرعة للسالكين والسيارات تنتظرنا في المركزي ، العلقام يردد : خذه من فهد بجاش ويقصد رقم هاتفه عبده قائد يجذبك من أول الشارع ويغمز لك طلال أن اركب معي ولا تكن من الخاسرين فأركب
هذه اللحظة بت أريد قريتي فقط الأغلى والأعلى من الأندلس أشم رائحة الخبر الذي يحترق بموقد المنازل الى هنا وفيما يحلم فتى نرويجي، شاب من الطرف الثلجي للعالم
ترى، بماذا؟ يحلم بزيارة تفقدية للمريخ،
الكوكب الذي نعرفه من ثلاثة أحرف وأل التعريف لمن هم بالمكان الصحيح، أسميه مريخ، نحن الذين لم نعرفه ولن نصل اليه
تلك الـ ( ال ) لذوي اللون المبارك من سكان مخيلة ” اينشتاين ” ولنا النوم المبارك بمفكرة عائض القرني المسروقة من فتاة بسيطة
خذ المريخ يا فتى والزهرة، بذات اللحظة أحلم أنا اليمني بمرور آمن الى قريتي، العودة الى الخلف حين كنا نركب مع ” العلقام ” وفي سيارة ” علي الجمل ” الخردة ونتحاشى ” عبده قائد ” ونحملق كي نحظى بطلال وأن نخرج في ساعات الليل النائمة نركب بالمقدمة أو في الوسط وليلا نفضل النط الى سقف العربة ولم نسقط مرة حتى؛ السقوط كلمة عرفناها بعدما هتفت بها الشوارع فهي ليست من الأبجدية : ابنة من هي ؟ حفيدة الحواجز المفخخة بالموت ،جدتها زنزانة وخالها مليشاوي بيديه كرباج ووالدتها ، والدتها عمامة ، وعمتها لحى محناة بالمنافذ المغلقة وطويلة كجبل حبشي