مقالات

الوحدة من مجلس الرئاسة في صنعاء إلى مجلس القيادة في عدن

في عام 90 من القرن الماضي, تشكل مجلس رئاسة في صنعاء عقب الإعلان عن ميلاد الوحدة الاندماجية بين الشطرين الجنوبي والشمالي من اليمن مكونا من خمسة أعضاء شاملا رئيس المجلس الرئاسي، ربما عدد كبير ممن ولدوا بعد الوحدة لا يعرفون أسماءهم.

 

وبعد هذا المشوار الطويل الذي امتد لثلاثة عقود ونيف التجارب وتوحيد المؤسسات ثم تفكيها فيما بعد بسبب الانقلاب الحوثي في صنعاء ومن النزاع السياسي والعسكري الداخلي بين القوى اليمنية الحزبية والعقائدية التي أثبت الوقت أنها كانت مؤثرة سلما أو حربا في الشأن اليمني جاءت نفس القوى اليوم بمجلس قيادة رئاسي مكون من ثمانية أعضاء شاملا رئيس مجلس القيادة إلى عدن.

 

في ذلك الوقت كان الهم الواقف أمام مجلس الرئاسة كيف يتم الإسراع في دمج الدولة أما الآن فإن التفكير المسيطر على مجلس القيادة الآن كيف يستعيد تلك الدولة التي خطفتها جماعة الحوثي السلالية الطائفية التي خرجت من الكهوف اليمنية والحوزات الإيرانية ومعسكرات حرسها الإرهابي لتسيطر على القصر الجمهوري في صنعاء بل ووصلت إلى قصر معاشيق الرئاسي في عدن في العام 2015 م.

 

كانت الوحدة حلم الثوار اليمنيين في ستينات القرن الماضي شمالا وجنوبا ثم ظهرت بوادر السعي لإعادة الوحدة بعد طول تشطير في اول لقاء جمع رئيس المجلس الجمهوري الشمالي آنذاك القاضي عبد الرحمن الإيراني الذي كان من منطقة اليمن الأوسط مع رئيس اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي قحطان الشعبي الذي كان من أبناء الصبيحة الشجعان لوضع أول لبنة سياسية في أساس الوحدة المباركة.

 

ثم توالت الخطوات التاريخية في عام 1972 م في الكويت والقاهرة والجزائر وطرابلس الليبية تحت مظلة الجامعة العربية وصولا إلى لقاء عدن وتوقيع دستور الوحدة في عام 1989 م فكان هذا التاريخ عبارة عن وضع الطوبة قبل الأخيرة في صرح الوحدة اليمنية الذي توج في عدن في ظهر ال 22 من مايو من عام 1990 م.

 

نزلت في صبيحة ذلك اليوم سيول بشرية هادرة الى الشوارع مؤيدة ومباركة تملأ قلوبهم الفرحة وتذرف دموع المناضلين اليمنيين مما شاهدوه من تحقق حلمهم بإعادة الوحدة، كنا صغارا كطلاب مدارس لا نفقه من أمور السياسة شيئا لكننا جلسنا ساعات طويلة أمام التلفاز الأرضي المرتبط بين تلفزيون صنعاء وعدن مع المذيعة المتألقة ليلى ربيع ومقدم النشرات محمد الذهباني وعلي صلاح أحمد و عبدالله شمسان وهم يتناوبون على قراءة الأخبار والقرارات الرئاسية واللقاءات بين كبار رجال الدولة.

 

لكن شبح التسلط والأنانية لدى بعض القوى الراديكالية واليمينية المتشددة ألقى بظلاله على تلك الفرحة وأدى منطق التفرد  بالحكم والإقصاء للبعض وعدم سعة الصدور والاختلاف في أساليب ممارسة الحكم بين النظامين السابقين إلى انزعاج كثير من القيادات في  الشمال والجنوب وكانت الفترة الانتقالية للوحدة المقدرة بثلاث سنوات لم تكن كافية لترسيخ دعائم الوحدة الاجتماعية ولا أقول السياسية على اعتبار ان ايديولوجية الحكم التي كانت سائدة في الشطرين كانت تعيش أجواء الحرب الباردة بين الشرق والغرب كما هو حاصل اليوم في ذيول الحرب الروسية على أوكرانيا.

 

لقد عبرت انتكاسة عام 94 م عن تحطم القيم الفنتازية والأحلام السابقة لدى اليمنيين إلى تحطم مفاهيم الوحدة التي رسخها السياسيون شمالا وجنوبا قبل عام 90 م فكما كان هناك مؤيدون جنوبيون للحرب في صيف 94 م, كان في المقابل شماليون معارضون لها حيث شكلت بعض الأخطاء الفادحة بعد الحرب ضد القوى الجنوبية التي دعمت فك الارتباط عن صنعاء جرحا غائرا لديهم عمقه الاجتياح الحوثي للمناطق الجنوبية وصولا إلى عدن .

 

شكل ذلك هزة عنيفة لمفاهيم الوحدة الاندماجية التي رأى فيها بعض الجنوبيين هضما لهم كما رأي شماليون آخرون أن صرف المليارات من خزينة دولة الوحدة باتجاه المحافظات الجنوبية بعد الوحدة من أجل تنمية البنية التحتية المتهالكة كان على حساب التنمية والتوظيف في المحافظات الشمالية.

 

وأدى اندفاع القوى الرأسمالية والتجارية الشمالية والشرقية للاستثمار في المحافظات الجنوبية إلى ردة فعل معاكسة لدى العقائديين من أرباب الفكر الاشتراكي الاجتماعي عندما رأوا خصخصة مقدرات الدولة الجنوبية السابقة.

 

واليوم وبعد كل ما مضى يجد القادة السياسيون أنفسهم في طاحونة كبيرة يجب أن تنهي كل تلك الأخطاء والحذر الشديد  من مجلس القيادة الرئاسي من الوقوع فيها أو البقاء تحت رحمة مخالب إيران الحوثية التي سيطرت على معظم الشمال وتتوثب لابتلاع  ما تبقى من أجزاء جغرافيا الوحدة اليمنية التي أودعت في  الهيئات الدولية وثائقها  تحت مسمى الجمهورية اليمنية .