26 سبتمبر.. جملوكية ولادتي

هناك شيئ بصورة يومية يتجول في شوارع ذاكرتي لم تستطع شرطة النسيان إمساكه..كلما تذكرته تذكرت أن لا شئ يعود كالسابق.. هي المرحلة التي يرتبط فيها الانسان بالعالم ارتباطا حقيقيا يجعله يتعرف على الأشياء بماهياتها الحقيقية دون اجراء اي تعديل بالحذف اوالاضافة.. وكثيرا ما عانقت الفرح معها وكسرت حاجز الخوف بها لكنني اليوم بدونها اموت في اليوم ألف مرة.. وصدق من قال إن الحرية مع الالم اكرم من العبودية مع الحياة.. فقد ترددت كثيرا في كتابة هذا الموضوع حتى لا اجرح مشاعر المحتفيين بالذكرى الستون لـ26 سبتمبر 1962م.. وبعد تفكير عميق قررت أن أدلي بقناعتي وعلاقتي ب26 سبتمبر حتى لا أكون اكبر من عبدالله بن سلول.
الثورة ليست مجرد احتفاء شعبي جماهيري والجمهورية ليست مجرد شعار سياسي، فالثورة والجمهورية هما هوية الشعب الوطنية وعنوان الدولة المدنية التقدمية .. 26 سبتمبر 1962م و21 سبتمبر 2014م حدثان لا يختلفان في شئ ويتشابهان في كل شيئ لأنهما تحركا وأعلنا تحت عباءة الجمهورية وكلاهما أعادا إنتاج ما كان سابقا على 26 سبتمبر 1962م.. فجمهورية 26 سبتمبر خلت من بناء الأمة وبناء الدولة كاسس لتاكيد الهوية الوطنية اليمنية.. وهو مالم يحدث طوال ستون عاما من الجمهورية .
هذا ما جعل التاريخ يعيد نفسه اليوم في المشهد اليمني الراهن وخاصة شمال اليمن والذي تسبب في إعادة إنتاج حكم ما قبل 26 سبتمبر بنفس الفكر والتوجه المذهبي والطائفي والسلالي والقبائلي والمشيخي والعنصري.. فالذين انقضوا على الجمهورية وحكوماتها المتعاقبة كانوا في الأساس “جملوكيين” في “جملوكية” 26 سبتمبر لأنهم كانوا جمهوريين اسما وملكيين في مضمونهم وجوهرهم بل اكبر من الملوك والائمة.. فتركزت سلطات الجمهورية طوال تاريخها بيد أناس تجاوزوا تضحيات الشهداء والجرحى والاحرار الحقيقيين ليديروها على غرار الائمة بقميص الجمهورية.. ولم تثبت جمهورية 26 سبتمبر أن من شارك وقدم التضحيات من أجلها جزءا منها.. لأن سلطاتها المتعاقبة وإدارتها وثرواتها كانت بعيدة كل البعد عن الشركاء الحقيقيين في إعلانها وعبر تاريخها لم تثبت الجمهورية أنها دولة شعب الجمهورية اليمنية على الاطلاق.
فالجملوكيين هم الذين ابتلعوا تضحيات الاحرار وابتلعوا الجمهورية وبهذا الابتلاع فقدت الجمهورية شروط قيامها الصحيح فبدت مفرغة من الهوية الوطنية وارتبطت المواطنة المتساوية والمشاركة في الإدارة والقيادة والقرار بالمبتلعين للجمهورية فقط.. وهؤلاء الجملوكيين اختلفوا فيما بينهم وتناحروا وتقاتلوا وفي الاخير تصالحوا فيما بينهم في 1970م .وبموجب هذا التصالح تم انفرادهم بالسلطة والثروة والحكم اسريا وقبليا ومناطقيا وزيديا ..لتصبح الجمهورية كلية مبتلعة من قبل الملكيين الجمهوريين والملكيين الرجعيين.. ليتسلط الزيديون على الشوافع تحت عباءة الجمهورية.. وأصبحت المناطق الزيدية منفردة بالسلطة ومناطق الشوافع بعيدة عن السلطة والثروة والقرار.. وتم بموجب ذلك التأسيس لسلطة جديدة جملوكية.. لاحرية ولا ديموقراطية ولامواطنة متساوية ولا عدالة اجتماعية ولا دولة مدنية تقدمية.. وتكاد تكون تهامة من أكثر المناطق وأكثر اليمنيين تضررا وتهميشا واقصاءا من قبل الحكومات المتعاقبة لجملوكية 26 سبتمبر 1962م وجملوكية انقلاب 21 سبتمبر 2014 م.
وتحت عباءة الجمهورية كانت عودة الجملوكيين الجدد الانقلابيين الحوثيين في 21 سبتمبر2014 متمثلين الجملوكية في ابشع صورها احتلالا للأرض ودمارا وقتلا ونهبا وطمسا للهوية طوال ثمان سنوات ودعاة وأنصار جمهورية 26 سبتمبر يحتفلون بتسعين عاما على مرورها , يحتفلون وللاسف في الشتات والنزوح والتهجير .
وازكي هنا ما غرد به الرفيق الصحفي عبده مخاوي على صفحته بتويتر قائلا : “من المؤسف أن نحتفل بثورة تذكرنا بعجزنا وفشلنا في تحقيق ما أنجزه ابطال السادس والعشرين من سبتمبر ضد الكهنوت”. وأعلن في تغريدته صراحة قائلا : “شخصيا لن احتفل باي ثورة الا ثورة جديدة تنهي الانقلاب الحوثي وتعيد الحرية والكرامة لأهلنا في شمال اليمن”.
شخصيا لا يربطني بجملوكية 26 سبتمبر سوى يوم ولادتي وتسمية اسمي.. فوالدتي رحمها الله رحمة الأبرار واسكنها فسيح جناته , لم تكن متعلمة ولا حتى تجيد القراءة والكتابة.. لكنها كانت في يوم 26 سبتمبر من كل عام تذكرني أن ولادتي كانت في عصر هذا اليوم هذا اليوم.. وتؤكد لي ذلك بوقائع الأحداث وخاصة حدث يوم ولادتي من خلال ما كان والدي يحكي لها كون والدي رحمه الله رحمة الأبرار واسكنه فسيح جناته كان يعمل عسكريا من عساكر حكم الامام احمد حميد الدين. ويوم والدتي كان والدي مستلما يعني مناوب في العرضي وكان معاهم راديو لأن الامام كان معاه إذاعة وان ابي كان يتابع الأحداث باهتمام هو وكثير من زملائه ولما انتهى استلامه المغرب عاد فرحان يبشر امي أن البدر هرب والجمهورية قامت واعلنوها الثوار ولما شافني في الهندول وعرف اني ولدت بك كانت فرحته فرحتين وسماك باسم عدنان.. ولما سألت والدي رحمه الله ليش سميتنا عدنان قال لي : عدنان المدني طيار سوري استشهد من أجل فلسطين والوحدة العربية قبل ولادتك بسنتين وفي نفس شهر سبتمبر الذي اتولدت انت فيه..
ولأنه وكما أسلفت أن لا علاقة لي تربطني بسبتمبر سوى ولادتي ومن سميت باسمه فاكراما لابي وامي رحمهما الله ساهنئ نفسي بيوم ولادتي ولاجلهما ساستقبل التهاني وليس لي من هذا اليوم سوى أن ادعو لامي وابي أن يغفر لهما ويرحمهما كما ربياني صغيرا.. وللشهيد عدنان المدني وشهداء 26 سبتمبر وشهداء التحرير من اليمنيين عامة وأبناء تهامة خاصة الرحمة والخلود.