مقالات

الشراخ.. الكلمة والموقف

لم يكن الفقيد الاديب والمناضل / جابر الشراخ مجرد اديب ومناضل يمني تهامي ، بل كان مسكونا بحب اليمن وبأصله من تهامة اليمن ..وطنا وارضا بل وفي مرتبة الام قائلا: ( هواك أماه قبل البدء علمني / درس المحبة قبل الفرض والسنني /أماه هذا التراب الطهر يجمعنا / ان فرقتنا يد الأحداث والمحني / وقلت للشمس مدي مدى ظل أجنحة / خضراء من وجع الاحزان تغسلني / لتكتسي الأرض من اراحنا قبلا / وتنتهي قصة الازلام والوثن / أن أنكر الدهر عنواني وقافيتي / حسبي باني ( تهامي ) من اليمن )..

ذلك هو صديقي المناضل والأديب والشاعر والسياسي والثائر الحر والقاص والفقيه واللغوي / جابر محمد علي الشراخ المولود في الحديدة تهامة اليمن في 1957م  من أسرة فقيرة حيث كان والده يعمل نجارا فلقب بالشراخ.

واتصف جابر الشراخ بتفننه في كتابة القصيدة ابداعا وصناعة وفي حياته النضالية كان واضحا وصادقا وشجاعا لا يجامل ولا يهادن ولا يخاف في الحق لومة لائم ..عاش مسكونا بحب الوطن الكبير وحب تهامة مسقط رأسه ومظلة حياته .

عاش حياته مقارعا للظلم والذل والهوان رافضا الفساد والتسلط على العباد ..لم يكن يعيش حياته من أجل التغنم أو التقرب من السلطة بمدحها بغية الوصول إلى ما يفعله الوصوليين, بل كان ينبذ ذلك ويرى أن قول كلمة الحق في وجه سلطة جائرة هي فقط مبتغاه وأن الموت عنده اهون من المناصب ومدح الحاكم قائلا :

(ماشتيش كرسي ولأشتي شمدح الوالي / قصدي اقل كلمتي وامشي لي طوالي / ذا الموت أهون من الاذلال يــاوالي )..

كان يحلم بوطن حر وديموقراطي تسوده العدالة الاجتماعية والمواطنة المتساوية كان يحلم بوطن في دولة مدنية تخلو من التفاهات وعسكرة الحياة كان يحلم بوطن يحضنه كحرف في صفحة دفتر ولكنه وللأسف لم يجد هذا الوطن فأنشد كاشفا عن ما حوله قائلا:

(كل ما حولي تفاهات وعسكر/ موطني علبة كبريت / على سور معسكر /وطني دبابة تسعى/ على حافة خنجر / لم يعد لي / وطن يحضنني / كالحرف / في صفحة دفتر )…

كان يعلم بكل ما يحدث لوطنه من مؤامرات اللصوص والجهلة والمرتزقة والغشاشين وانه وغيره من الفقراء والمطحونين وعشاق الوطن هم الضحايا فأنشد قائلا : ( الأمر لنا / فاللعبة واضحة المعنى / نحن ضحية هذا الجهل المتحكم / والذل المتآمر فينا / فالنرجم كل الغشاشين / لصوص التاريخ / مرتزقي الثورة / فالوطن المكدود/ لن يغسله الا دم يتدفق طهرا / ولنا شرف الجرح / شرف الموت على أعتاب كرامتنا / ويكون الأمر لنا صبحا / لهم خزي / ولنا فرحة النصر )..

وكان يرى أن تلك اللعبة شارك فيها إلى جانب المرتزقة واللصوص والجهلة لاعبون آخرون ساهموا في إعاقة تحقيق الحلم الذي لم يجده فأنشد قائلا:

(من اين ابتدئ القصيدة / والحوار هو القصيدة / من أعين المتسولين ام / من التلفاز والصحف البليدة / من اي نافذة سيشرق وجه / حلم الابجديات القريبة والبعيدة / من نصف حلم في السراب / ورقصة النخب القديمة والجديدة /  من صرخة الوطن المشفر / بين انياب النطيحة والشريدة / همس المواجع في الطريق تعيده / اوهام من عزفوا على اوتار العقيدة / واللاعبون  على المبادئ يطبخون / الوهم في غرف ( الهريسة والعصيدة ) )…

ذلك هو صديقي الراحل جابر الشراخ الذي كان يحلم بوطن يحضنه، ولم يجده،، ولذلك فضل الموت على الذل والاذلال فكان رحيله  في ساعة متقدمة من فجر يوم الاربعاء 1 اكتوبر2014م.. لكنه قبل وفاته أعلن ساخرا أنه قد سامح فئة ممن عاصرهم في حياته فانشد فيهم ساخرا منهم قائلا: (لَقَد سَامَحَت مَنْ وُلِدُوا حبالى / وَمَن لَعِبُوا عَلَى الجُمْلِ الْمُضَافَة).

وأما الذين اختلف معهم اختلاف المحبين فقد انشد فيهم قائلا : ( لابد من يوم يجوا يبكوا على بابي / ويطلب العفو مني من تأذي بي )..

بعد 57 عاما من النضال في مختلف مجالات الفكر والثقافة والسياسة والأدب وتقلد العديد من المواقع الادارية التي تشرفت به والعظيمة فكريا وثقافيا وسياسيا والتي تشرف بها جابر حاصدا في مسيرته التاريخية العديد من شهادات التكريم والتقدير .. رحل صديقي المناضل / جابر الشراخ وودعت تهامة خاصة واليمن بوجه عام علما من اعلامها في مختلف مجالات الفكر والثقافة والسياسة بل وودعت اليمن عميد شعراء الهجاء في اليمن .. وصاحب “اشتعالات في زمن الشتاء” و”آخر كلام”. و ” حب ونار “..إلى جانب قصائده الغنائية الموثقة في الإذاعة والتلفزيون والمغناة وغير المغناة التي لم توثق.. رحل جابر الشراخ وعن جدارة واستحقاق رحل رجل ” الكلمة والموقف “..

وها هي الذكرى الثامنة لرحيله 1 اكتوبر2022م تحل علينا ولا يسعني إلا الاعتذار لأهله وعشاقه ومحبيه عن هذا الموضوع القصير لأن جابر كبير واكبر مما كتبت وما سيكتب عنه ..ولا نملك في هذه الذكرى سوى الدعاء له بالرحمة والغفران وقراءة الفاتحة على روحه الطاهرة ..