مقالات

تأملات في الثورة والجمهورية خلال عقود في اليمن

تغير مفهوم كلمتي الثورة والجمهورية لدى اليمنيين عبر الحقب المختلفة لمحاولات التغيير السياسي التي رافقت أحداث عصفت باليمن شماله وجنوبه. ففي عام 1948 م شهد الشمال الإمامي أول مظاهر الثورة من داخل النظام السلالي نفسه فكان عبدالله بن الوزير من أركان حكم بيت حميد الدين وخاصة الإمام يحيى الذي اطاحت به ثورة 48 وقتل على يد القردعي القادم من مارب وكان مقررا أن يتولى بن الوزير الحكم بصفته إماما دستوريا لكن سرعان ما قضي على هذا الانقلاب الداخلي وأعدم الإمام أحمد قيادة الانقلاب وعلى رأسهم بن الوزير والقردعي وكان أحمد  اباح صنعاء لقبائل الشمال لمدة ثلاثة أيام يسفكون الدماء ويقتلون الرجال والنساء والأطفال فكان التشكيك في مصطلح ثورة 48 هل هي ثورة أم انقلاب .

ولم تكن قبائل الجنوب إبان تلك الفترة مستكينة للاحتلال البريطاني فقد شهدت مناطق الجنوب عدة انتفاضات قبلية مسلحة ضد بريطانيا في الجنوب ومنها انتفاضات حضرموت والصبيحة وغيرها.

وتوالت الثورات و الانتفاضات شمالا وجنوبا في الأعوام 1955 بقيادة الثلايا وزاد الزخم الثوري عقب ثورة يوليو في مصر وتشكل تنظيم الضباط الأحرار الذي أعد لثورة كبيرة ضد النظام السلالي في الشمال وتم إطلاق الرصاص على رأس الكهنوت أحمد يا جناه في مستشفى العلفي الذي اصاب الإمام برصاصات أدت إلى بقائه عدة أشهر في حالة الموت السريري إلى أن وافاه الأجل في ال19 من سبتمبر من العام 1992 م وأعلنت الطغمة السلالية تنصيب الإمام محمد البدر في ال21 سبتمبر إماما خلفا لوالده الصريع وهنا كانت الفرصة سانحة أمام الضباط القوميين لمهاجمة صنعاء والحديدة وتعز بالتزامن وتم إعلان الجمهورية في صبيحة ال26 من سبتمبر .

لكن تلك الجمهورية الوليدة تعرضت لمحاولة إجهاض من فلول الإمامة الذين تمركزوا في أطراف البلاد الشمالية وكثفوا هجماتهم على الجمهورية طلبا لحكم أباءهم القمعي والسلالي المتوارث. وهنا تم اختطاف الجمهورية فأصبحت نصف جمهورية ونصف إمامية في عام 1970 م وعاد الإماميون في أثواب جمهورية ليحكموا مجددا وقاموا بأبشع أنواع التصفيات السياسية لمن عرفوا في تلك الفترة بالسبتمبريين وعاد الإماميون للتلون والتغلغل في نسيج المجتمع اليمني وركبوا موجة الجمهورية والتي كانت في تلك الحقبة عبارة عن مصالحة قوتين إقليميتين بمعنى أصح.

وفي الجنوب كانت جذور الاستعمار الأجنبي ما زالت ماثلة للعيان بين رفاق التحرير من الجبهة القومية وجبهة التحرير ذات النزعة الراديكالية ، فكان لكل من القوى اليمنية شمالا وجنوبا مفاهيمه للثورة والجمهورية .

ففي الشمال اختصم الإسلاميون والناصريون على مكاسب الثورة مع وجود الإماميين المتلبسين برداء الجمهورية فقد تم ابتداء إقصاء السبتمبري الحقيقي الرئيس الراحل عبد الله السلال وأطيح به في انقلاب داخلي تزعمه الإسلاميون القبليون حيث كان تنظيم الإخوان وقتها فاعلا وأراد إقصاء القوميين الناصريين فتم لهم ذلك واستطاعوا تنصيب القاضي عبد الرحمن الإرياني وهو سني من الوسط ليمثل واجهة للقوى الدينية والقبلية على حد سواء غير أن القوميين الناصريين من الجيش لم يمهلوا الإرياني كثيرا حتى أعادوا كرتهم في الانقلاب الأبيض الذي تزعمه المقدم إبراهيم الحمدي .

في تلك الفترة المقابلة في الجنوب كان المد الثوري في صراع مناطقي رهيب على الحزب الاشتراكي الذي أعلن الحكم الشمولي شبه العسكري في المحافظات الجنوبية وأطاح اليساريون بالرئيس قحطان الشعبي المحسوب على تيار يمين الوسط. وبعد عام 1981 م شهد الجنوب فترة حكم يساري عقائدي رهن البلاد بالمنظومة الاشتراكية لما كان يعرف بالاتحاد السوفيتي فكان في تلك الفترة في اليمن الطبيعي نظامان متعارضان بالفكر والمعتقد ويحتضن كل نظام معارضي النظام الآخر شمالا وجنوبا إلى أن انهارت منظومة الاتحاد السوفيتي في عام 1989 م فكانت الظروف مواتية للتوحد بين الشطرين.

وإبان كل تلك المراحل اختلفت المرجعيات في اليمن الكبير في النظر إلى مفهوم الثورة ومفهوم الجمهورية فكان في الشمال بعد عام 70 نظام أشبه بالجملوكية اي النظام الهجين من الملكية الإمامية السلالية والجمهورية القومية لكن أحداث 2011 م عرت هذا الوجه الجملوكي الهجين في صوره الحقيقية ما بين حركات إسلامية سياسية بشقيها السني والشيعي وما بين فلول حكم سابق وكلهم يتحدث عن للثورة وعن الجمهورية وانسحب ذلك الوضع على الجنوب للحديث عن جمهورية أخرى هي نظام الحكم الشمولي الذي كان سائدا قبل الوحدة عام 90 م .

وإزاء كل هذا الإرباك التاريخي للنخب السياسية اليمنية حول الثورة والجمهورية تربت أجيال كبيرة من أبناء الشعب اليمني شمالا وجنوبا تغذت كل فئة منه بهذا الخليط المتناقض من النظرة والسلوك السياسي تجاه الثورة والجمهورية.

لقد محيت معالم الجمهورية الأولى من ذاكرة هذا الجيل فهذا الجيل لم يعد يعرف من هو الثلايا ولا من هو العلفي خاصة بعد أن طمست الإمامية الحوثية الجديدة معالمها في البلاد.. فمثلا مستشفى العلفي أصبح مجمع الساحل الغربي الطبي, وفي عدن ساحة الجمهورية المشهورة تغيرت إلى ساحة أو جولة البط.. والإمام أحمد أصبح لدى الحوثيين والجيل الذي ربوه هو صنع المنجزات وباني الطرقات بينما قائد ثورة و نهضة البلاد الرئيس الأسبق علي صالح هو زعيم الخيانة وأصبح مشائخ الدين قادة ثورة ضد المد الفارسي في اليمن مع الفارق ولاؤهم لولي الأمر …هذه هي المتوالية التاريخية للمجتمع اليمني حول مفاهيم الثورية والجمهورية خلال الستين عاما الماضية والتي انتجت لنا  خليطا سياسيا متناقضا في ذاته مخترقا للهوية اليمنية العربية الإسلامية من كافة جوانبها ومؤثرا في ثقافة أجيالها التي ورثت تركة ثقيلة من دورات الصراع اليمني ممزوجا بالمطامع الخارجية طارحا أمام الشعب إلا خيار الممكن للعيش والحياة والتطور نحو المستقبل .