مقالات

عباس الناشري من لا يعرفه لا يعرف الحديدة

تزخر محافظة الحديدة وخاصة مدينة الحديدة عاصمة تهامة بمئات من الأسماء والإعلام في مختلف مجالات الفكر والتربية والثقافة والعلوم والسياسة والأدب والفقه والفلك والاقتصاد وغيرها .. وهذه الاسماء تركت من البصمات ما جعلتهم يمجدون ويجلون أحياء ويخلدون امواتا وعند ربهم يرزقون..  وكثير منهم غدت اسمائهم مرتبطة بالحديدة ارتباطا وثيقا حتى أصبحت معرفة الحديدة مقرونة بمعرفة هذه الأسماء ومن هذه الأسماء اسم خالد الذكر الاستاذ الراحل الفقيد عباس الناشري.

هذا الاسم حمل في حروف صاحبه من دلالات عظمة المكان والولادة والمنشئ علما وفقها وتاريخا وجوهر الاسم البساطة والفطنة والذكاء والتواضع والنبل والوفاء والاستقامة والصدق والوضوح كان قدوة يقتدى بها ونجم يهتدى به في العطاء والتفاني والإخلاص في مجالات التنشئة الاجتماعية الأسرية الصحيحة وفي مجال التربية والتعليم وتنشئة الأجيال تنشئة تأهيلية قادتهم نحو بناء وتنمية اليمن ..وأديبا وشاعرا مفضلا الابداع لذاته بعيدا عن الظهور ..ومسؤولا  إداريا منضبطا في الحضور والدوام إدارة ومعلمين وطلاب ,  ومحليا رافضا التسلط والتسلق والوصولية واضعا  المصلحة العامة الوطنية والإنسانية فوق كل الاعتبارات مفضلا أن يعيش حياته فقيرا شريفا نزيها طاهر اليد واللسان والعقل  مضحيا وباذلا كل جهده لتأدية رسالته في بيته وعمله وعلاقاته الاجتماعية على أكمل وجه وبما يرضي الله ورسوله ..

في السبعينيات وحتى نهاية الثمانينيات من القرن الماضي وانا طالب في الابتدائية (عمر بن الخطاب) والإعدادية (الصباح) والثانوية (عمر بن عبدالعزيز) وكذلك وانا طالب في الجامعة كنت اسمع هذا الاسم عباس الناشري يجلجل في مجال التربية وفي مدارسنا التي كنا ندرس فيها كنت اتابع جهوده والنشطة والتفوقيه في مدرسة  الزبيري الابتدائية ومدرسة ابوبكر الإعدادية والثانوية التي كان يديرهما هذا الرجل العظيم ..وفي 1989م تخرجت من الجامعة وعملت مدرسا في ثانوية عمر بن عبدالعزيز تحت إدارة استاذي العظيم الفقيد يحي عبدالله مكرم.. وفي امتحانات نهاية العام الدراسي 1990م / 1991م للشهادة الثانوية عملت معه نائبا له في المركز الامتحاني بمدرسة بلقيس الثانوية وهو رئيس المركز وهنا بدأت معرفتي الشخصية بأستاذي الفقيد عباس الناشري وكان لي شرف التعرف به حيث عملت معه وتعلمت منه فن وقيادة وإدارة العملية الامتحانية.

وبعد انتهاء الامتحانات كنت على تواصل به للتقرب منه ومعرفته أكثر فكنت اقوم بزيارات متقطعة له في المدرسة ..وفي 1994م انضممت للتوجيه التربوي وعلى مدى عملي في التوجيه كنت أكثر من زيارات مدرسة ابوبكر الصديق توجيهيا بهدف العمل والجلوس معه وكنت عندما ادخل المدرسة لا أجده على كرسي الإدارة بل يتجول في الطواريد وداخل الصفوف ويتحرك في كل أركان المدرسة بحثا عن الفارين من الحصص لكني لم أكن اجد طالبا واحدا خارج الفصول أو خارج سور المدرسة ..وفي 1997م تم تعيين الاستاذ انيس محفوظ عمر مديرا لمكتب التربية في المحافظة( حفظه الله ورعاه ) وكان الاستاذ عباس الناشري يومها قد عين في 1995م مديرا لإدارة التعليم العام ونائبا لمدير التربية والتعليم الأستاذ الفقيد علي احمد فاضل رحمه الله  وكنت على علاقة صداقة مع الاستاذ انيس قبل تعيينه مديرا ..وكنا انا والاستاذ عباس الناشري دائما ما نلتقي في منزل الاستاذ انيس بصورة دائمة في مقيل قات أو مناسبات دينية أو اعياد وطنية وكان الاستاذ يجلس معنا وهو لا يتناول القات بل يقدم لنا من الأحاديث والقصص التوعوية ما يجعل المقيل بدونه بلا طعم .

هنا بدأت تتسع دائرة علاقتي بالأستاذ عباس الناشري وعرفت عنه الكثير شخصيته وطباعه وقيمه وجهوده التربوية وهو ما جعلني اثني عليه كثير بين الأصدقاء والزملاء لدرجة أن بعض الرفاق كانوا يحذروني منه ويقولون لي أنه ضابط في الامن السياسي وهو ما استنكرته ولم أعره اي اهتمام ومضيت في علاقتي معه وعلى تواصل دائم به حتى أحيل إلى التقاعد في 2005م بدرجة وكيل وزارة وبتاريخ مهني عظيم في التدريس والإدارة والقيادة …

ومنذ أن تقاعد قطع علاقته بوظيفته رسميا ولم يطالب بالتمديد كما فعل بعضهم ولم يكن يذهب إلى التربية ليستغل اسمه وتاريخه للاسترزاق كما فعل بعضهم لزم بيته وكان قليل الخروج وكنا قليلي التواصل ببعضنا البعض ..ومن 2011م حتى2014م كنا نادرا ما نلتقي بالصدفة وانا قصرت في زيارتي له إلى المنزل لظروف شخصية ..ومن 2014م انقطع تواصلي الشخصي به  لكنني كنت دائم التواصل بابنه المهندس محمد عباس الناشري أراسله بصورة مستمرة واسأله عن الاستاذ وان يبلغه تحياتي وان يطمئنني عليه ..وكانت هذه الرسائل آخرها بتاريخ الرابع من أكتوبر الماضي 2022م كتبت للمهندس محمد على الخاص في الفيسبوك قائلا ” ياباش محمد استحلفك بالله تسلم لي على استاذي الفاضل والدكم عباس الناشري اطال الله عمره ورعاه “..ها هو القضاء والقدر يقرر مغادرته عن الدنيا في تاريخ  الاثنين 20ربيع الاخر 1444ه‍ الموافق 14نوفمبر 2022م عن عمر ناهز 77 عاما بمسيرة عطرة رائعة وخالدة ورحيل مؤلم وقضاء وقدر عظيم. رحمه الله رحمة الأبرار واسكنه فسيح جناته ..

رحل ولم يترك خلفه رصيدا بنكي ولا مشروع مادي استثماري بل ترك خلفه سيرة عطرة وتاريخ مسطر بحروف من ذهب وثلاثة من الاولاد المهندسين محمد وعبدالله ونجيب ومئات الآلاف من تلامذته مهتدون بهديه سائرون على نهجه وبذكره والدعاء له دائمون.

وهذه ترجمة خاصة عن الأستاذ الكبير الراحل الفقيد عباس عزي الناشري للأستاذ الباحث/احمد حسن عياش يعقوب أستعين بها وبتصرف موضوعي لدعم وتعزيز ما تقدم من موضوعي المتواضع عن الفقيد الراحل الاستاذ عبَّاس بن العزي بن أحمد بن محمد بن قاسم بن محمد الناشري..

* فهو تربوي وأديب وشاعر ومجيد في فن السماع متأثرا بوالده، ويمتاز بالذكاء والفطنة والوفاء ودماثة الأخلاق والعفة وجمال الروح، وسعة علاقاته الاجتماعية ، وكثرة الصحاب والأصدقاء ، وهو أيضا أديب وشاعر رقيق ، يحفظ العديد من قصائد الشعر في المديح والنسيب وسائر الأغراض ، وله أشعار رقيقة ، لم يقم بجمعها بعد..ومستقيما محافظا على الصلوات في أوقاتها وعلى كافة شعائر الدين..

* ففي العام 1945ميلادية الموافق 1365هجرية كانت ولادته في قريه الشرقيه مدينه الدريهمي من اسره اشتهرت بالفقه والعلم والادب والولايه والصلاح.. ونشأ وترعرع في كنف والديه ، وقرأ القرآن الكريم لدى المشايخ من آل الضحوي..وفي عام 1960م تخرج من المدرسه السيفيه بالدريهمي (مدرسه المكتب) . على يد أستاذه الأول المربي الكبير محمد بن سيف الحارسي ، الذي كان يحبه كثيرا لفطنته وفرط ذكائه ، وكان بعد استكمال دراسته يساعده كثيرا في التدريس ، بشكل معيد كما يسمونه في الجامعات اليوم ، بل عينه نائبا له في المدرسة ، ومن مدرسيه في المدرسة أيضا شيخه صاحب الترجمة السيد العلامة يحيى بن عمر مقبول الأهدل ، وكان يدرس في المدرسة نهارا ، ويدرس على مشايخ العلم في الفترة المسائية ، حيث قرأ وتفقه على يد شيخ تخرجه العلامة الفقيه أحمد بن عوض صديق ، الذي أجازه إجازة عامة ، وخاصة في الفقه واللغة ، ويدين له بذلك ، ويثني عليه الثناء الجزيل ، كما التحق خلال ذلك بحلقة صاحب الترجمة ، مزاملا لشيخنا الأستاذ عبد الله إبراهيم الضحوي..ووفي عام 1960م وعمل مدرسا بمدرسه الدريهمي وبعدها انتقل الحديده للعمل مدرسا في المدرسه السيفيه الوعي ( خولة حاليا ) عام1964م وعين مديرا لمدرسه الزبيري الابتدائيه عام1969م ومنها حصل على الشهاده الجامعيه الازهريه بالمعادله.. وعين مديرا لمدرسه ابوبكر الصديق الاعداديه انذاك عام 1975م وعين مديرا للتعليم العام ونائب مدير مكتب التربيه والتعليم عام 1995م حتى احيل للتقاعد عام 2005م بدرجه وكيل وزاره..

* حصل خلال عمله في التربية والتعليم على عدد من الدورات التدريبية والتأهيلية داخل الوطن ، منها دورة تعليمية للمدرسين حضرها وشارك فيها بمحافظة تعز ، كما حصل عام 1966م على دورة خارج الوطن شارك فيها عدد من المعلمين والمعلمات العرب بالجــامعة الأمـريكية في بيروت ، رافقه فيها عدد من المدرسين ، منهم  الأستاذ محمد الحمادي ، ثمّ توجّه من بيروت إلى دمشق لزيارتها ، ثم إلى مدينة حمص ، حيث زار قبر الصحابي الجليل خالد بن الوليد رضي الله عنه ، ومنها اتجه إلى عمَّان عاصمة المملكة الأردنية ، ومنها إلى القدس ومدينة الخليل بفلسطين ، وصلى في المسجد الأقصى وفي الحرم الإبراهيمي ، وشارك أيضا في دورة تدريبية في الكويت ، وكان له دور إيجابي بارز في توعية الشباب إبَّان التخريب وتعثر العلاقات بين شطري الوطن قبل الوحدة في سبعينيات القرن الميلادي الماضي..

* كما تم ترشيحه لعضوية المجلس المحلي بمديرية الحوك في الدورة الأولى للمجالس المحلية تنفيذا لقانون السلطة المحلية رقم (4) لسنة 2000م ، وظل عضوا بالمجلس خلال الفترة من 2001 ـ 2005م ، واعتذر عن الترشح لفترة ثانية لظروف شخصية ومرضية..و تخرج على يده ما لا يحصى من الطلاب سواء في الدريهمي أو في الحديدة ، وأصبح الكثير منهم في مراكز مرموقة في الدولة ، فمنهم الوزراء والسفراء والدكاترة ووكلاء ومساعدو وكلاء ومديرو عموم داخل الوطن وخارجه…رحم الله الفقيد رحمة الأبرار واسكنه فسيح جناته ..