مقالات

التغني بالتطور في ظل انحطاط التعليم: واقع مرير

في تقديري، أصبح الحديث عن “التطور التكنولوجي” و”التقدم العلمي” مجرد شعارات تتردد في كثير من الأحيان، لكن هذه المفاهيم لا يمكن أن تكون حقيقية في بلد يعاني من أزمات متلاحقة كما هو الحال في اليمن. كيف يمكننا أن نتحدث عن التطور التكنولوجي أو التقدم العلمي في وقت يعيش فيه المواطنون في ظروف من الانهيار على جميع الأصعدة؟ هذا السؤال يراودني دائمًا عندما أسمع تلك الكلمات التي باتت تستهلك في الفضاء العام، فالتطور يجب أن يبدأ من الأساسيات، وفي مقدمتها التعليم.

الواقع الذي نعيشه اليوم في اليمن هو واقع مرير، وفي رأيي، لا يمكن الحديث عن “التطور” ونحن نشهد حالة التعليم المنهارة. عندما أستذكر حالة المدارس، أرى أن هناك العديد من المناطق التي أصبحت مدارسها خرائب لا تصلح لتعليم الأطفال، فالكثير من المدارس في المناطق المتأثرة بالصراع قد تعرضت للتدمير المباشر أو أصابها الدمار نتيجة للاستخدام العسكري. ومع تدمير هذه المنشآت، أصبح من المستحيل أن نحقق أي نوع من التقدم في مجال التعليم، وبالتالي، فإن أي حديث عن “التطور التكنولوجي” يصبح حديثًا بعيدًا عن الواقع.

ما يجعل هذا الموضوع أكثر إيلامًا هو أن التعليم نفسه قد تحول إلى ساحة لتغيير المناهج والتلاعب بالحقائق لتناسب أجندات سياسية وطائفية. أذكر عندما كنت أزور بعض المدارس في مناطق متفرقة من اليمن، كيف كانت المناهج التعليمية تتغير لتواكب الحروب والصراعات السياسية. في بعض الأماكن، يتم تعديل الدروس التاريخية والدينية بما يتناسب مع أيديولوجيات معينة، وهذا لا يعكس إلا محاولة لتدمير العقول بدلاً من بناء جيل قادر على التفكير النقدي المستقل.

ولا يقتصر الأمر على هذا فقط، فحتى في بعض المدارس التي لم تتعرض للتدمير، يواجه الطلاب صعوبة في الحصول على التعليم الجيد. فهناك نقص حاد في المعلمين المؤهلين، خاصة في المناطق الريفية، حيث أن معلمي المدارس غالبًا ما يكونون غير مدربين بشكل كافٍ أو لديهم تعليم محدود. كيف يمكن لبلد يعاني من هذه الأزمات أن يتوقع أن يكون في مصاف الدول المتقدمة تكنولوجيًا؟ كيف يمكن أن نتوقع أن يطور الشباب اليمني المهارات اللازمة للاندماج في عالم التكنولوجيا الحديثة بينما هم في وضع تعليمي لا يسمح لهم حتى بإكمال دراستهم الأساسية؟

وحتى لو فرضنا أن بعض التكنولوجيات قد وصلت إلى بعض الأماكن، فإن هذا لا يعني بالضرورة أن البلد في طريقه نحو التقدم. ففي رأيي، التطور لا يبدأ من التكنولوجيا أو الصناعات المتقدمة فحسب، بل من بناء الإنسان نفسه. إن أي تطور حقيقي يبدأ بتعليم جيد يمكن أن يفتح الأفق أمام الأفراد ليطوروا مهاراتهم ويحققوا إمكاناتهم. ولكن في اليمن، نجد أن التعليم لا يزال محاصرًا بتحديات كبيرة، بدءًا من تدمير البنية التحتية للمدارس، وصولاً إلى نقص المواد التعليمية والموارد اللازمة لإيصال المعرفة.

كما أن مناهج التعليم التي يتم تدريسها غالبًا ما تكون غير مرتبطة بحاجات السوق أو الاحتياجات التنموية الحقيقية. فنحن نجد أن المواد التعليمية التقليدية التي تركز على الحفظ والتلقين قد لا تتناسب مع ما يحتاجه العالم المعاصر من مهارات التفكير النقدي، الابتكار، والتفاعل مع التكنولوجيا. وفي الوقت الذي يُفترض أن يكون التعليم هو الحافز الأساسي لأي نوع من التطور، نجد أنه في اليمن أصبح عبئًا ثقيلًا على الأسر والمجتمع ككل.

من وجهة نظري، يجب أن يكون الحديث عن التطور في اليمن مرتبطًا أولاً بإصلاح التعليم وإعادة بناء نظامه بشكل حقيقي. هذا الإصلاح يجب أن يكون بعيدًا عن أي تأثيرات سياسية أو طائفية، ويجب أن يكون موجهًا نحو تزويد الشباب بالمعرفة والمهارات التي تؤهلهم للعيش في عالم متغير ومليء بالتحديات. يجب إعادة تأهيل المدارس، تدريب المعلمين، وتوفير المناهج التي تشجع على التفكير النقدي وتستند إلى الحقائق الموضوعية. في ظل هذا، يمكننا أن نتحدث عن تطوير تكنولوجيا وصناعات متقدمة، ولكن حتى ذلك الحين، لا يمكننا أن نغني عن التعليم كأداة أساسية للتغيير.

إن كان لي أن أغني لشيء، فلن أغني للتكنولوجيا كأداة للتمويه، بل للتعليم كأداة للتغيير، لأنني على يقين أن أي نهضة حقيقية تبدأ من الإنسان، ولا يمكننا أن نحقق ذلك إلا بتوفير تعليم جيد ومستدام لكل أبناء الوطن.