مقالات

وداعًا شيخ تهامة.. نم قرير العين يا عبدالرحمن حجري

لم يكن الشيخ عبدالرحمن حجري رجلاً عابراً في ذاكرة تهامة، بل كان وجدانها الحيّ، وصوتها الذي لم يخن يومًا نبضها.

برحيله، فقدت تهامة أحد أعمدتها، الرجل الذي نذر عمره لحمل قضاياها، ووهب حياته للدفاع عن كرامة أهلها، دون أن يلين أو يتراجع، مهما اشتد الظلم، وضاقت السبل، وتكاثف الصمت.

كان نضاله نابعاً من الأرض التي أحبها، لا يُحرّكه طموحٌ شخصي، ولا يُغريه مكسبٌ عابر. قاوم الإقصاء والتهميش، ووقف ثابتاً كجبل، لا تغيره العواصف، ولا تُثنيه الضغوط. لم يكن يتحدث باسم تهامة، بل كان يُجسّدها: بوجعها، بعزّتها، بأحلام أبنائها في وطن عادل لا يُقصي أحدًا.

لم تكن تهامة بالنسبة له رقعة جغرافية، بل قضية يسكنها وتعيش فيه.

منذ اللحظة الأولى، أدرك أن الحرية لا تُمنح بل تُنتزع، وأن الكرامة لا تُطلب بل تُؤخذ بثبات الموقف ونقاء الهدف. فكان في مقدمة الصفوف، لا يتأخر عن وجع الناس، ولا يغيب عن معاركهم من أجل الحق.

في كل محطة من محطات الحراك التهامي، كان اسمه حاضراً، ليس في الشعارات فحسب، بل في اتخاذ القرار، وتحمل العواقب، والمضي في الطريق الطويل دون انحناء. كان يقف حيث يتراجع الآخرون، ويتكلم حيث يصمت الكثيرون، ويختار الصواب حتى إن كان ثمنه العزلة أو الاستهداف أو التشويه.

عرفته تهامة شيخًا لا يعرف المواربة، وقائدًا لا تستهويه المناصب، ومناضلًا لا يغريه الضوء.

لم يسعَ لشيءٍ إلا أن تكون تهامة حرة، وأبناؤها مرفوعي الرأس، يمتلكون حقهم في الأرض والهوية والحياة الكريمة. حمل همّهم في كل محفل، ودافع عنهم كما يُدافع الأب عن أبنائه، لا ينتظر شكرًا، ولا يرجو مقابلًا.

كانت كلماته سلاحه، وضميره بوصلته.

لم يتورط في صفقات، ولم يغيّر بوصلته مع تغيّر الرياح. ظل كما عرفه الناس: مناضلًا من أجل الناس، لا على ظهورهم، وصوتًا نقيًّا لا تشوبه الحسابات الضيقة، ولا تلوّثه المصالح العابرة.

واليوم، وهو يترجّل بصمت العظماء، تفتقده الساحات التي كان فيها نبضها، والمنابر التي كانت تنتظر كلمته، والأيادي التي طالما امتدت إليه طلباً للنصيحة أو الوقوف إلى جانبها.

رحل جسداً، لكنه ترك من ورائه أثراً لا يُمحى، وخطاً واضحاً لا يُشوّه، ووصية غير مكتوبة: أن تبقى تهامة في القلب واللسان والعمل، لا شعاراً مؤقتاً، بل عهدًا دائمًا.

نم قرير العين يا أبا خالد، فقد أديت الأمانة كما يليق بالرجال الكبار. وسنمضي على دربك، ما دام فينا نبضٌ للحق، وكرامة لا تساوم.

سلامٌ عليك يوم وُلدت صوتًا للحق،
ويوم ناضلت بشرف،
ويوم رحلت واقفًا في قلوبنا.