الحديدة تنزف بصمت.. حين يصبح الميناء لعنة على سكانه

بقلم: حسام حسن
في الحديدة، لا تُسمع أصوات الحرب بقدر ما يُسمع صمتها. صمت الجوع، وصمت الخوف، وصمت الناس الذين اعتادوا الانتظار الطويل بين قصفٍ وآخر، وبين وعدٍ بالسلام لا يأتي. هناك، عند ضفاف البحر الأحمر، يعيش أكثر من ثلاثة ملايين إنسان في مدينةٍ أنهكها الحصار والجوع، بعدما تحوّل ميناؤها من شريانٍ للحياة إلى لعنةٍ تطعم الحرب وتجوّع أهلها.
في كل مرة تُعلن فيها القوات الحكومية عن ضبط شحنة أسلحة في طريقها إلى الحوثيين، تتردد في أذهان الناس بالحديدة أسئلة لا تنتهي: لماذا لا تصل إلينا سوى آثار هذه الحرب؟ لماذا لا تحمل السفن التي تمرّ بنا سوى أدوات الموت؟ آخر تلك الشحنات، كانت قادمة من إيران وضُمّنت مصانع مسيّرات وأجهزة تشويش ومواد متفجرة، قبل أن تُضبط في عدن. لكن الخبر الذي مرّ في نشرات المساء لم يلتفت إلى الحكاية الأخرى، حكاية المدينة التي لا تنال من موانئها إلا الخوف والعزلة، فيما تُهدر مواردها في تمويل الجبهات بدل ترميم المستشفيات أو إعادة الكهرباء إلى البيوت المظلمة.
الحديدة ليست فقيرة، لكنها مُفقَرة. فثلاثة موانئ رئيسية تُدرّ ملايين الريالات يوميًا، بينما يعيش أهلها في أحياء متهالكة بلا خدمات ولا ماء ولا كهرباء. الشوارع محفّرة، والمستشفيات تعمل بأجهزة صدئة، والمدارس تغلق أبوابها تحت وطأة القصف أو النزوح. الأطفال يلعبون حفاةً قرب أكوام القمامة، والنساء ينتظرن ساعات أمام خزانات الماء، والرجال يبحثون عن عملٍ لا يأتي. حتى البحر، الذي كان يومًا مصدر رزقٍ وطمأنينة، صار مصدر خوفٍ دائم. كل سفينةٍ تقترب من الميناء تُثير في القلوب قلقًا: هل تحمل طعامًا أم سلاحًا؟ هل ستجلب الحياة أم تستجلب الغارات؟
المدينة التي كانت تُعرف بـ”عروس البحر الأحمر” تحوّلت إلى قاعدةٍ عسكرية مقنّعة. مبانٍ مدنية تحوّلت إلى مخازن أسلحة، ومدارس صارت ملاجئ نازحين، وأحياء أُفرغت من سكانها بعد أن صار العيش فيها مغامرة. في الليل، يخفت كل شيء، حتى البحر يبدو حزينًا، كأنه يعرف أنه لم يعد يهب أبناءه الحياة.
أهل الحديدة لا يطلبون المستحيل، فقط أن يعود الميناء لما كان عليه يومًا: بوابةً للغذاء لا للسلاح، ومصدرًا للرزق لا للدمار. استعادة المدينة بالنسبة لهم ليست نصرًا عسكريًا بقدر ما هي فرصة للنجاة. فكل يومٍ تبقى فيه الحديدة تحت قبضة الحرب، يزداد عدد الجائعين، وتتسع دائرة الفقر والخذلان.
ورغم كل هذا، لا تزال الحديدة واقفة. نساؤها يخبزن على الحطب في غياب الغاز، وأطفالها يتعلمون القراءة على ضوء الشموع، وشيوخها يروون قصص الصبر بدل قصص اليأس. تنزف المدينة بصمت، لكنها لم تفقد نبضها بعد. وفي قلب ذلك الصمت، يظل الأمل حيًا بأن البحر الذي جلب إليها اللعنة، سيعود يومًا ليحمل إليها الحياة من جديد.