مقالات

لم يعد التاريخ يُكتب بالحبر

عبده مخاوي يكتب: لم يعد التاريخ يُكتب بالحبر

كان المنتصر في الماضي هو من يكتب التاريخ، يختار كلماته بعناية، ويعيد ترتيب الوقائع كما يشتهي. من ينتصر، كان يملك الحق في أن يقول: «هكذا حدث». أما اليوم، فالأمر تغيّر، والعالم لم يعد كما كان.

في زمن التكنولوجيا والفضاء المفتوح، لم يعد أحد قادرًا على احتكار الحقيقة. لان الصورة صارت أقوى من البيان، والمشاهدة المباشرة أصدق من أي رواية رسمية. والشاهد البسيط أصبح أكثر صدقًا وتأثيرًا من المؤسسات الإعلامية التي كانت تحتكر رواية الحقيقة. لم يعد بوسع أحد أن يُخفي جريمة، أو يُطمس تضحية، أو يُعيد تعريف بطولة على هواه.

التاريخ اليوم يُكتب بعيون الناس، لا بأقلام الحكّام. فكل مشهدٍ موثّق، وكل تضحيةٍ مسجلة، وكل صرخةٍ باتت ذاكرة جماعية لا يمكن شطبها. فالدم الذي سُفك من أجل الكرامة لا يمكن تغطيته بالبيانات، ولا تُعيد تعريفه حملات التبرير.

من يظن أن بإمكانه اليوم تزوير التاريخ، يعيش خارج الزمن. فالحقيقة لم تعد ورقة في أرشيف، بل نبض في ذاكرة الشعوب. قد يُخمد الصوت لحظة، لكن الصورة باقية، والوعي لا يُهزم.

في النهاية، لا أحد يستطيع أن يزوّر التضحيات. لأنها لا تُكتب بالحبر، بل تُحفر في ضمير الإنسانية. والتاريخ، مهما حاولوا تطويعه، يظل وفيًّا لمن صدقوا، لا لمن انتصروا.