مقالات

الدولة الغائبة في معركة اليمن

عبده مخاوي يكتب: الدولة الغائبة في معركة اليمن

في كل مرة تتصاعد فيها التوترات الإقليمية، ويُطرح سيناريو تدخل خارجي ضد مليشيا الحوثي، يعود السؤال الجوهري إلى الواجهة: هل يكفي إسقاط قيادات الجماعة عسكريًا لإنهاء الانقلاب واستعادة الدولة؟

الجواب الحاسم: لا.

حتى لو تدخلت الولايات المتحدة عسكريًا، وحتى لو استهدفت بضربات دقيقة كل قيادات الحوثي ودمرت قدراته الصاروخية والعسكرية، فلن يعني ذلك بالضرورة نهاية الانقلاب أو عودة الدولة اليمنية. فالمعضلة ليست مجرد معسكرات تُقصف، ولا قيادات تُستبدل، بل أزمة إرادة وقرار ومشروع دولة غائب.

المشكلة الحقيقية تكمن في فراغ الإرادة السياسية، وفي شرعية فقدت قرارها الوطني المستقل، وعجزت طوال سنوات الحرب عن تحويل الدعم الإقليمي والدولي إلى مشروع تحرر حقيقي يستعيد مؤسسات الدولة ويعيد الثقة للمواطن.

الانقلاب الحوثي لم يستمر لأنه أقوى من الجميع، بل لأنه واجه معسكرًا مشتتًا، قرارُه موزّع، وأولوياته ملتبسة، وارتهانه للخارج أكبر من التزامه بقضية الداخل. لم تُبنَ في المناطق المحررة دولة نموذجية تُقنع اليمنيين بجدوى المشروع الوطني، بل ظل الأداء هشًا، والخدمات متدهورة، والفساد متغلغلًا.

كيف نتحدث عن استعادة دولة، بينما مؤسساتها شبه معطلة؟
كيف نطالب المواطن بالصمود، فيما المرتبات متوقفة، والعملة منهارة، والخدمات في أسوأ حالاتها؟
كيف يُطلب من الناس الثقة بشرعية لم تنجح في إدارة مناطقها، فكيف ستدير دولة كاملة بعد التحرير؟

التجارب تؤكد أن الضربات الجوية مهما بلغت دقتها لا تُنهي انقلابًا دون قوة فاعلة على الأرض، ولا تبني دولة من فراغ. قد تُضعف جماعة مسلحة، لكنها لا تصنع مؤسسات، ولا تملأ فراغ السلطة، ولا تعالج جذور الأزمة السياسية.

إن إنهاء الانقلاب الحوثي لا يكون فقط بتفكيك بنيته العسكرية، بل بإعادة بناء مشروع وطني واضح المعالم: دولة مؤسسات لا مراكز نفوذ، دولة قانون لا ولاءات، دولة قرار مستقل لا حسابات مرتهنة.

أما التعويل على تدخل خارجي ليحسم المعركة نيابة عن اليمنيين، فهو رهان قصير النظر. فمن لا يملك قراره في زمن الحرب، لن يستعيده بسهولة في زمن السلم. ومن ينتظر الحسم من الخارج، سيبقى رهينة شروط الخارج.

طوال سنوات، تحولت معاناة اليمنيين إلى بند تفاوض، وإلى ورقة ضغط في صراعات إقليمية، بينما غابت الأولوية الوطنية الحقيقية. تراكمت الخلافات السياسية، تعمّقت الانقسامات، وتراجع الأداء، فيما المواطن يدفع الثمن وحده.

الشعب الذي صمد في وجه الانقلاب لا يحتاج إلى بيانات إنشائية، ولا إلى رهانات جديدة على تدخلات عابرة. يحتاج إلى قيادة تمتلك قرارها، ورؤية واضحة، وإرادة صلبة لإصلاح الداخل قبل انتظار دعم الخارج.

تحرير اليمن يبدأ من الداخل: بتوحيد الصف، بمحاسبة الفاسدين، بإصلاح مؤسسات الدولة، بإعادة الاعتبار للقرار الوطني المستقل، وببناء قيادة تضع مصلحة المواطن فوق الحسابات الضيقة والمصالح الخاصة.

أما دون ذلك، فحتى لو سقطت قيادات الحوثي، سيبقى السؤال الأكبر معلقًا: من سيملأ الفراغ؟ ومن سيبني الدولة؟

معركة اليمن ليست فقط ضد انقلاب مسلح، بل ضد حالة عجز سياسي مزمنة. إنها معركة استعادة الإرادة قبل استعادة الأرض، وبناء دولة تستحق تضحيات أبنائها، لا دولة مؤجلة بانتظار قرار من الخارج.