مقالات

من تعز إلى الحديدة.. حتى تعود الدولة

يحيى مهيم

مسميات الامس التي كان يرددها اليمنيون عن المدينتين مثل ” الحالمة ” و ” عروس البحر ” لم تعد اليوم قائمة في واقع المدينتين المؤلم بفعل مليشيات تسيطر عليهما : مليشيات الحوثي المدعومة إيرانيا والتي هجرت سكان عروس البحر إلى خارجها، ومليشيات الإخوان المدعومة تركيا والتي تجثم اليوم على صدر عاصمة الثقافة تعز .

زرتها قبل الحرب وكانت تعز ماتزال بها معالم ثقافية : صحيفة الجمهورية ، نقابة الصحفيين ، مؤسسة السعيد وجوائزها الثقافية والمتنزهات والمخضرمين من قدامى الصحفيين الذين كان صوتهم مسموعا واقلامهم لا تعرف القيود والإبتزاز .وكنا في دورة صحفية عن قانون حق الحصول على المعلومات الصحفية الذي أصبح اليوم محظورا بفعل سلطة المليشيات التي تحكم تعز .

بالامس كان الحديث في تعز عن حق الحصول على المعلومات واقعا معتادا وكان لبطاقة نقابة الصحفيين مكانتها واحترامها ، أما اليوم فالواقع كارثي وأصبح الحديث عند كثير من الناس في تعز والحديدة ليس عن حق الحصول على المعلومة ولكن يبحثون عن حق الحصول عن الحياة تحت سطوة مليشيات لا ترحم لأنها مغسولة الأدمغة بالدماء وفكرها تلوث بالإرهاب .

فبينما هذان النوعان من المليشيات الحوثية والإخوانية يقدمان أنفسهم للغرب على أنهما الاختيار الأفضل له من حيث أن المليشيات الحوثية الإيرانية تقول للغرب هل وجدتم إرهابيا شيعيا واحدا ، وتقدم المليشيات الإخوانية نفسها على أنها النسخة الإسلامية المعتدلة للعمل الديمقراطي كما أقنعوا بذلك إدارة أوباما وصولا إلى بايدن الذي هلل كل من قيادتي الحوثي والاخوان بفوزه مطلع العام الحالي .

وعندما تمعن النظر فيما حدث في الحديدة نجد أن مليشيات الاخوان هي من رغبت أن يكون مصير أبنائها بهذا الشكل من التمزق والتهجير والنزوح وفضلت مليشيات الاخوان أن تبقى شقيقتها مليشيات طهران مسيطرة على الحديدة وموانئها ولا ترى عناصر المقاومة المحلية ورموز النظام السابق الذي رحلته من كرسي الحكم في صنعاء وعناصر المقاومة الجنوبية المخلصين في دحر المشاريع الإيرانية أن تراهم في موانئ الحديدة ومبنى سلطتها المحلية .

هذا هو الرابط المشترك مابين الاثنين من حكام تعز والحديدة الذين رأوا في إبرام اتفاق استوكهولم مصلحة لهما لكي يسيطر كل واحد منهما على ماتحت يده مقابل توقف التحرير في تعز والحديدة غير مكترثين بما حصل للمواطن فيهما من تمزق وشتات ومعاناة متجددة كل يوم قتل ودمار واستهداف للمدنيين والاطفال بينما الفرد الذي يقاتل على خط النار مع الحوثي في تعز في الحوبان وغيره يتم تزويده بعشر طلقات ويقال له لا تتجاوز الطربال الذي بيننا وبين الحوثي ، ويقال للمقاومين داخل مدينة الحديدة لن تدخولوها حتى ولو بالقوة وإن جاء السلام فالدخول بالبطايق لأبناء الحديدة وأما المقاومين ممنوع دخولهم .

انها لعبة كبيرة امتدت خيوطها من تعز إلى الحديدة وتركت المحافظتين تواجهان مصيرهما تحت سطوة مليشيات مذهبية طائفية تعد ذراع طهران في الحديدة ومليشيات مؤدلجة بأفكار تنظيم عالمي لا يؤمن بالاوطان إلا وطن الخلافة المزعومة كمثل الولاية المزعومة التي لا تؤمن ألا بالسلالة .

وهذا هو الرابط في العلاقة ما بين هاتين المليشيا اللتان انقضتا في غفلة من اليمنيين على عروس البحر وحالمة الجبل فتم تحويل العروس إلى عجوز شمطاء مرتدية سواد الكهوف وفكر الملالي ، وتحولت الحالمة إلى عالم لا ينتهي من الكوابيس المزعجة التي تنام وتصحو عليها الحالمة تعز ولا سامح الله من فعل كل شئ قبيح في سماء الحالمة ” تعز ” وفي بحر العروس ” الحديدة ” .