مقالات

العيد بعضه فرح وكثيره مأساة

كتب / عدنان حجر

 

ونحن صغار لم يكن العيد عندنا يتوقف عند ملابسنا الجديدة والمدريهة والمأكولات والحلويات بل كنا نرى معايدات الكبار لبعضهم ولأسرهم وأطفالهم , وان كان بيننا فقيرا فلا يشعر بفقره في العيد لأن الأثرياء والمقتدرين كانوا يتقربون إلى الله من خلال عطفهم ومحبتهم للفقراء ..

 

كنا نشاهد أمامنا التسامح والتكافل ومحبة الجميع للجميع. لم نكن نشعر أن ابائنا وأصدقائنا وجيراننا يواجهون اي مشكلة تتعلق بالعيد وبالتزاماتهم العيدية تجاه أسرهم وأهلهم وذويهم وتجاه المحتاجين والفقراء. ورغم الرخاء لم نكن نجيد لغة المال. كنا فقط نجيد لغة الفرح وان كان مرتبط بالمال فهي بضعة قروش أو فلسات تصل إلى ربع ريال نسميها حق العيد فلوس العيد وكلما كانت الفلوس أكثر كان العيد اكبر. ونحن صغار كنا نستقبل العيد بلهفة وشوق قبل حلوله بأيام ولا ينتهي الا بعد ترفيع الالعاب وباعة المأكولات والحلويات وغيرها من اماكن التجمعات العيدية بعد أكثر من أسبوع.

 

اليوم وعندما كبرنا تأكد لنا أن العيد يوم في التقويم ينتظره المقتدرون من البسطاء بلهفة لكنه ينتهي في يوم واحد لأن لحظاته ثقيلة ملفوفة بالأحزان والهموم والغموم ..وهناك من لا يرى للعيد لونا ولا يذق للعيد طعما  , بل ولا يشتم رائحة له ولا حتى للحياة.. الأثرياء واللصوص وحدهم وأطفالهم من يعيشون فرحة العيد بكل تفاصيلها داخل اليمن وخارجها.

 

واليوم وقد هرمنا وجدنا الطين قد زاد بلة بكارثة الكوارث في اليمن.. حرب طحنت معظم سكان اليمن وجعلتهم اموات على قيد الحياة.. واطفال ونساء بعضهم بلعتهم الألغام وبعضهم حرمتهم من الأيدي والاقدام  ..وتجار بلا ضمير , استغلوا ظروف الحرب فسحقوا الانسان البسيط والفقير , وتاجروا بمعاناتهم , وحكومة اجهزت على ما تبقى وحولت الموظفين البسطاء إلى شحاتين ومتسولين.. والأثرياء مسؤولين وتجار ولصوص غادروا اليمن مع أسرهم لقضاء إجازة العيد ..والفقراء والبسطاء وأصحاب الدخول المحدودة والمقاتلين من أجلهم قلوبهم تحترق وافئدتهم تتمزق على أنفسهم وأطفالهم..

 

صحيح أن هناك من يحاول مقاومة الجوع والفقر بما يحصل عليه من راتب هزيل أو من رزق عمله الحرفي فيجد نفسه غنيا عندما يرى فقيرا أكثر ما يطمح به هو لقمة العيش ..هؤلاء هم من لا عيد لهم ..ما ابشعها من مأساة عيدية أناس جوعى ومرضى ونازحون في العراء , وايتام بلا معيلين ومقاتلين في الجبهات في ظروف خطرة , واطفال بلا ملابس أو ممزقة ينامون جوعى ويصحون جوعي ..وآباء يدقون أعناقهم حسرة وقهرا على أطفالهم.. ونساء يقفن عاجزات أمام عجز رجالهم.. واضحية المضحيين وعطاء المقتدرين لا تصل الا إلى قلة قليلة من المحتاجين والمسحوقين والمقهورين.. وأسرى ومعتقلين مبعدين عن أسرهم وأطفالهم. قلدكم الله كيف سيكون عيد عند هؤلاء المساكين يا لصوص البلاد وقهرة الرجال وظلمة العباد..

 

ويبقى العيد الحقيقي عيد الضرورة الدينية عيد العافية عيد الفطرة الاجتماعية عيد الخطابات عيد الزعامات.. عيد هتافات العامرة بيوتهم بحقوق اهلهم وشعبهم.. عيد انعدام الترابط والرحمة والمحبة والتكافل.. عيد غياب العدالة الاجتماعية والإنسانية على الأرض. عيد كل التناقضات ,  عيد الفرح لقلة قليلة من الناس ومأساة الأغلبية من البشر.. لكن  العدالة الإلهية وحدها حاضرة  في السماء ولن تزول , واللصوص والمجرمين والقتلة ومن يسحقون الفقراء وحرموهم وأطفالهم من فرحة العيد لن يفلتوا من العقاب..