امتلاك الوطن وفن التعايش

أفرزت هذه الحرب مثالب اليمنيين والأحقاد التاريخية والجغرافية والمذهبية الطائفية والاستعلاء للبعض والتحيز المناطقي للبعض الآخر بل والتحيز الأعمى للقبيلة وللحزب بل حتى التحيز للماضي لعدد من رموز الحكم الذين أدوا واجبهم في فترة ماضية وانتهت.
ما يجمع كل تلك المثالب والعورات هو ادعاء امتلاك الوطن والتغني بالوطنية في حين أن الوطن هو عناصر مجتمعة من أرض وموارد وشعب ومبادئ يتم الأجماع عليها لإدارة شؤونه باستخدام فن التعايش هذه المفردة التي عندما انعدمت تنافرت كل مكونات الوطن وانفرط عقده، ومع ذلك سعت كل الأطراف إلى امتلاك مصطلح (الوطن) باستخدام القوة العسكرية وكان لهذه المكونات ما أرادت فأوهمت نفسها بامتلاك جزء من الوطن ولكنه امتلاك بالقوة وبالمنازعة والصراع وليس بطريقة التعايش.
يصنف الباحثون السيكولوجيون (الاجتماعيون) المجتمعات البشرية بأوصاف متعددة من حيث التعايش والقدرة على الاندماج مثل المجتمع المتعايش، المجتمع المتعاون أو المجتمع المعاند للاندماج حول أهداف مشتركة، ومجتمعنا اليمني هو مجتمع معاند وهذا العناد يخلق التنافر وتعدد الزعامات بل وعدم التنازل لبعضها البعض رغم وحدة الجغرافيا ووحدة التاريخ واللغة والمصير غير أن وحدة الأهداف غير متوفرة ومع ذلك تزعم القوى انها تمتلك وطن !!
ومن العجيب أن طائفة معينة امتلكت مقدرات دولة وبقعة جغرافية غير متجانسة المجتمعات المحلية ومع ذلك تقاتل باسم الوطن وهي مرتهنة للخارج الطائفي الذي يدعي انه المرشد لكل هذه الطوائف في العالم، لذا أصبح امتلاك الدولة استحواذ لهدف منظومة طائفية فنهبت موارد الدولة لأجل هذه المنظومة الخارجية ولم تكن مسؤولة عن واجباتها تجاه الداخل حتى بأبسط حقوق المواطنة من حرية الرأي والمعتقد ودفع الاستحقاقات من مرتبات وخدمات؛ إذن الاستحواذ على الوطن بالقوة لأجل منظومة طائفية خارجية لا يمت للوطنية بصلة.
وامتلك البعض الآخر مساحة جغرافية ويحاول أن يؤسس فيها وطن لمنظومة حكم سابقة تعتبر نفسها كانت تمتلك الدولة، لكنها لا تستطيع أن تعطي الكثير لا نها امتلكت جزءا من الوطن بدون ثروات أو موارد لذا كان من الطبيعي أن تبحث عن الموارد الكامنة والاستثمار فيها لأن الداعمين لن يبقوا سخيين إلى مالا نهاية وهو أمر منطقي بل وواقعي لكن مع تفعيل الشركاء على الساحة لا تحجيمهم وعدم الاعتراف بتضحياتهم من أجل وطنهم الصغير.
وامتلك البعض معدات قتالية لكنه لم يستطع أن يمتلك الوطن لأنه ضل أسير القبلية وتقديمها على ما سواها بل وتهميش الآخرين إلى الحد الأدنى.
وامتلك البعض بقايا أحزاب متناثرة وما زال يتصرف وفق اطره الحزبية وتصوراته السابقة أبان الحملات الانتخابية واقتسام الدوائر والتنازلات المتبادلة في حين أنه قد فقد كل ذلك وحتى مفهوم الانتخاب والممارسة الديمقراطية وحتى كيان الحزب نفسه، فالتشظي هو سيد الموقف على كل الأحزاب والكيانات اليمنية دون استثناء.
وظهرت نزعات ضيقة وصلت لحد ادعاء امتلاك جزء من قبيلة أو محافظة أو حتى مديرية وقرية بل وحتى حارة.
والخلاصة لا يمكن لكل هذه البعثرة الأنانية رغم امتلاكها جزءا من وطن أن تشكل وحدها أي ملامح من وجه الوطن الكبير بمعنى لا تستطيع طائفة صغيرة وان استحوذت على دولة وشعب أن تشكل بمفردها وطن وتفكيرها وسلوكها بحجم طائفة وسلالة تنتمي إليها، وكذلك الحال ينسحب على المكونات الأخرى لا يمكنها تجميع شتات الوطن وهي تعمل وفق رؤية وتفكير ضيق ومنغلق.
فإذن ما المخرج من كل ذلك الشطط وحب الذات؟ لا شك أن الحل يكمن في فن التعايش الوطني الجامع وبناء الوطن على أسس موضوعية غير عاطفية متحيزة بل جمع الموارد والجغرافيا والمجتمع المبعثر في بوتقة واحدة أساسها العدل والحكم الرشيد والشراكة في الثروة والقرار وكل بحسب تمثيله البشري والجغرافي المعقول وعلى أساس موضوعي علمي كبقية الدول الناجحة، حتى لا يبقى الشعار (الوطن ) والفعل تمزيقه !!!