الحرب والصمود والموت على قيد الحياة

بسبب الحروب والصراعات والكوارث والاوبئة والأمراض النفسية والعضوية والأزمات الإنسانية يموت في اليوم من يموت وللعرب والمسلمين النصيب الأكبر من هذا الموت.. وبقدر ما يكون للرياضة والنظام الغذائي والحياتي دورا في تقدم العمر ومواجهة الشيخوخة بالروح النشطة والمتفائلة لإطالة العمر يكون للقضاء والقدر الحكم الفصل في نهاية حياة الإنسان الدنيوية ..والموت الذي يعرفه الإنسان المسلم والبسيط هو فناء الجسد وصعود الروح إلى خالقها للحساب يوم البعث ويوم الحساب اي أن الموت هو مغادرة الإنسان الدنيا جسدا وروحا بعد عمر طويل او قصير….ذلك هو الموت الطبيعي الذي يعرفه البسطاء والمؤمنين من البشر بالحياة والموت والبعث والحديث عن هذا الموت الطبيعي يطول ولا يقف عند هذه الكلمات..
والفلاسفة والمفكرين وان كانوا يختلفون حول علاقة الجسد بالروح في الفناء أو الموت فإنهم يتفقون حول ماهية الموت ارتباطا بالحياة كفعل ونشاط.. فالموت الحقيقي عندهم هو الموت قبل الموت اي موت الانسان وهو على قيد الحياة وذلك على أساس أن الحياة نشاط وحركة وعبادة وعمل ونضال وكفاح وابداع وإنتاج وتعاملات ومعاملات وسلوك يومي مشحون بالقيم والمبادئ والأنشطة الخيرية والانتصار للقضايا الوطنية والمجتمعية والإنسانية. وان من توقف عن هذه الأعمال والأنشطة والسلوكيات ولم يعد قادرا عليها أو لم يعد يقوم بها وتركها وهو قادر عليها أو أن هناك أسباب وظروف اعترضت قيامه بممارستها. هنا يكون هذا الشخص في حكم الميت وهو على قيد الحياة.. ونسبة كبيرة جدا من هؤلاء الاموات على قيد الحياة هم في اليمن ..
فمعظم سكان اليمن باتوا اليوم امواتا على قيد الحياة لعديد من الأسباب والعوامل والظروف الحياتية اليومية ..حرب مدمرة ومستمرة وكوارث لا أول لها ولا اخر ومعاناة ليس لها حدود وتعب مستمر وهموم متواصلة وماسي واحزان في كل دار من الفقدان والجروح والألم والوجع وجوع ومرض وفقر وبطالة ومتاجرون بأقوات البشر وناهبون وفاسدون وحرمان من الحقوق ومن العيش الكريم وانعدام الرعاية والاهتمام من حكامهم وغياب الضمير الرسمي المسؤول وانعدام القيم المجتمعية الإنسانية وأهل الخير نادرون وطاقات جهد مفقودة وهناك من يطالبهم بالصمود..
واذا ما كان هؤلاء مطالبون بالصمود فكيف لهم أن يصمدوا والحرب ماضية في الاستمرار وليس هناك ما يبشر الصامدين بانتهائها أو إيقافها والانهيار متواصل ومستمر في الاقتصاد والعملة والتعليم والرواتب ولم يظهر اكتشاف في علاج هذه الانهيارات…ولم يتحسن شيء من أحوال المطلوب منهم الصمود.. وايش عاد باقي من صمود والناس تتسول وفي العراء لا مأكل ولا ملبس ولا مشرب.
ومن الناس من يطاردهم ويلاحقهم المؤجرين وهم لا رواتب ولا دعم ولا مساعدة ولا رعاية ولا اهتمام.. ايش عاد باقي من صمود وكل شيء أصبح غاليا وموت الإنسان وقتله ومرضه وجوعه وكرامته باتت رخيصة جدا..ايش عاد من صمود وهذه الأسرة مات معيلها وقتلوا اولادهم وحرموا أطفالهم من حقهم في الحياة والتعليم واللعب والفرح.. ايش عاد من صمود والفقير يتسول والشريف يهان ويحقر والعفيف يسأل الناس أن يسدوا حاجته..
في هذه الظروف ماذا عساه هذا الإنسان اليمني أن يفعل وهو محاط بهذا الوضع الذي يقيد حركته ويمنع عنه كل أداة مساعدة ليثبت أنه حيا على قيد الحياة .. حياة ليس فيها ماهو متاح لهذا الانسان للحركة والنشاط والعمل والإبداع والإنتاج وحتى العبادات ليست كافية له لإثبات وجوده على ظهر الحياة فاعلا ومنتجا ومسؤولا , وليست شفيعة له ليستحق الحياة دون عمل ودون حقوق وعجز عن القيام بالواجبات.. أنه الفقدان لكل مقومات الحياة الحقيقية بما فيها فقدان مقومات الصمود وهو الامتلاك لكل مقومات الموت على قيد الحياة مشمولين بالرعاية الإلهية وما كتب الله لهم وماشاء وقضى لهم وقدر .والهرب من الموت موت وطلب الموت حياة..