مقالات

صمودٌ على الجوع أم خيانةٌ للكرامة؟”

د. محمد مطهر يكتب: صمودٌ على الجوع أم خيانةٌ للكرامة؟"

في خضم الحروب والصراعات التي تعصف بالأوطان، نجد في اليمن حالة تختلف عن كل الحروب الأخرى التي تشهدها بقاع الأرض. هناك حيث يُقال لنا إن الصمود هو الجواب الوحيد على الجوع، وإن الانتصار يتحقق بتغلب الشعب على شظف العيش. ولكن، هل حقًا يمكننا أن نعتبر الجوع سبيلاً لتحقيق النصر؟ وهل يمكننا أن نضعه في مصاف الفضائل كما يدّعي البعض؟

في معظم الحروب العالمية، حتى في أعتى الفترات التي تكون فيها الأمم تحت وطأة القتال، فإن الرواتب لا تُقطع عن الناس، ولا يُحرم المواطنون من حاجاتهم الأساسية مثل الغاز والبنزين. ففي غزة، وفي لبنان، وفي العراق، ورغم الأزمات التي تمر بها تلك البلدان، إلا أن الحياة تُدَار بما يسهم في إدامة العيش الكريم للأفراد. أما في اليمن، فقد تم تحويل الحروب إلى اختبارٍ مريرٍ للبقاء على قيد الحياة؛ حيث تم قطع الرواتب، وأصبح الغاز والبنزين مجرد حلم بعيد المنال. فهل هذا حقًا يمثل صمودًا؟ أم أنه يفضح حقيقة صراعنا مع الذين قطعوا كل سبل الحياة؟

إن الإنسان لا يمكنه أن يُكافح وهو جائع، ولا يمكنه أن يصمد وهو محروم من أساسيات الحياة. نحن نتحدث عن شعبٍ ضُرِبَ في صميمه، ليس فقط بالحروب، بل أيضًا بالجوع والفقر والفقدان. وعندما نقارن هذا الحال بما يحدث في مناطق أخرى من الصراعات، نجد أن اليمن هو استثناء غريب. ففي كل الحروب الأخرى، لا تتوقف الرواتب، ولا تُحرم الشعوب من قوتها. ألم يكن هذا درسًا للبعض أن ينظروا إلى معنى الصمود بشكل مختلف؟

لننظر إلى تلك الجماعات التي تسمّي نفسها “أنصار اللات والعزاء”، كيف اختاروا هذا الاسم لتكون هويتهم؟ أليس في هذا دليل على أن الجوع والفقر لم يصبحا مجرد حالة طارئة، بل أصبحا جزءًا من هوية تدعي أنها تمثل المقاومة؟ لكن الحقيقة الواضحة، التي يغفلها البعض، أن هذه الجماعات ليست إلا أدوات في يد من يظنون أن استمرار الصراع هو الحل الوحيد، متجاهلين تمامًا حقوق الناس في الحياة والكرامة.

المسؤولية في هذا الصراع هي مسؤولية واضحة ومعروفة. أعداء الله والوطن هم من قطعوا الرواتب ووقفوا وراء انقطاع سبل العيش. وهم من تسببوا في تحطيم كرامة الشعب اليمني، بدعوى الصمود والتضحية. هؤلاء هم من يجب أن نوجه إليهم أصابع اللوم. فالتاريخ لا يرحم، والأمم لا تُبنى على الجوع، بل على العدل والكرامة. لا يمكن أن يكون الانتصار بمعركة ضد الفقر، ولا يمكن أن يكون المجد في مواجهة أبسط حقوق الإنسان.

إذن، الحقيقة المؤلمة التي يجب أن نعترف بها هي أن الأعداء الذين يظنون أنهم يحققون نصرًا هم في الواقع لا يفعلون سوى تدمير كرامة شعب، ومحو الأمل في حياة أفضل. ومع ذلك، فإن الله لا يظلم أحدًا، والظالمون هم من يتحملون وزر أفعالهم. إن النصر الحقيقي لا يأتي من الفقر، بل من الإيمان بحقوق الإنسان وحريته، ومن تعزيز العدالة والكرامة بين الناس.