اللهجة التهامية.. لهجة الملوك أبناء الملوك.. لهجة فخرٍ واعتزاز
بقلم محمد السمان
يحق لكل منطقةٍ أن تفخر وتعتز بموروثها وخصوصيتها المحلية، سواء كان ذلك الموروث ثقافياً أو اجتماعياً، أو ما يميزها في ملبسها أو لهجتها المحلية التي تُعد جزءًا أصيلاً من طبيعتها وهويتها العريقة.
واللهجة التهامية لهجةٌ عربيةٌ حميريةٌ ضاربةٌ في القدم، عُرفت في مناطق التهائم، وتُعد من أقدم اللهجات اليمنية وأجملها نغمًا وأعذبها وقعًا. ومن حقّ كل تهاميٍّ أن يعتزّ بلهجته ومنطقته، فهي منطقةٌ ذات تاريخٍ عريقٍ، تعاقبت عليها الحضارات، وشكّلت مركزًا ثقافيًا وفكريًا نابضًا بالحياة.
وتهامةُ أرضٌ عَكِّيّةٌ أزديّةٌ قحطانية، تنسب إلى الأزد بن الغوث بن زيد بن كهلان بن سبأ، أحد ملوك سبأ العظام، فهم ملوكٌ أبناءُ ملوك. ومنهم الصحابي الجليل مهجع بن صالح العكي، أولُ شهيدٍ في معركة بدر، وعمرو بن معدي كرب الزبيدي رضي الله عنه، آخر مكاربة تهامة، وأبو موسى الأشعري عبدالله بن قيس رضي الله عنه، وغيرهم من أعلامٍ رفعوا راية الدين والمجد معًا.
ويشترك معنا آخرون من مناطق أخرى نطق بعض مفردات اللهجة التهامية، مما يمنحها أصالةً وجمالًا في مخارجها وألفاظها ويزيد من حجم التداخل والمشتركات مع بطون اليمن والجزيرة العربية
فمثلًا يُنطق الاسم (علي) في كثيرٍ من مناطق تهامة بإبدال العين همزًا فيقال (ألي)، وقد ورد هذا النطق في النقوش اليمنية القديمة: «سمه علي وسمه ألي». كما تُضاف واو التنكير في نهاية الاسم للدلالة على التنكير، كأن يُقال: جبل (جبلُو) ، كما أشار إلى ذلك الباحث علي مغربي.
وفي الحديث الشريف: «ليس من امبر امصيام في امسفر» – وبغضّ النظر عن مدى صحة الرواية بهذا اللفظ – فقد أجمع أهل اللغة على أنها لغة حميرية.
وقد قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في التلخيص الحبير:
«وَهَذِهِ لُغَةٌ لِبَعْضِ أَهْلِ الْيَمَنِ، يَجْعَلُونَ لَامَ التَّعْرِيفِ مِيمًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ خَاطَبَ بِهَا الْأَشْعَرِيَّ لِأَنَّهَا لُغَتُهُ، أَوْ أَنَّ الْأَشْعَرِيَّ نَطَقَ بِهَا عَلَى مَا أَلِفَ مِنْ لُغَتِهِ».
وهذا في ذاته إقرارٌ واعتزازٌ بلغةٍ يمنيةٍ أصيلة، ظلت تتوارثها الأجيال وتحفظها الألسن رغم تقلبات الزمن.
ومن حقّنا اليوم أن نعتز بهذه اللهجة العريقة، وأن نفاخر بها، وندافع عنها، في وجه من يحاول أن يُنمّط الشخصية التهامية بصورةٍ ضعيفةٍ أو مشوّهةٍ، أو ينتقص من لهجتنا الجميلة.
لاسيما أن هذه المنطقة الطيبة، بأهلها الطيبين، قد عانت طويلًا من الإقصاء والحرمان، رغم أنها أرض الذهب الأخضر والأزرق، الأرض التي تُطعم الوطن كلَّه وهي جائعة، وبوابة البحر الأحمر وخط الملاحة الدولية.
أما ما فعله الفنان أ. خالد الجبري بمحاولته تقليد اللهجة التهامية، فلنا معه ثلاث وقفات:
- نحسن الظن، بالأستاذ خالد وأن دافعه هو المحبة والودّ لهذه اللهجة الجميلة، التي لبس لباس أهلها وجاء ببرنامجه المشهور إلى ديارهم محبة ووداً.
- إن تقليد اللهجة التهامية من غير أهلها قد يُتقنه البعض وقد يفشل، لكن ما يجمع عليه التهاميون أن لهجتهم خالية من أي غنجٍ أو تمطيطٍ في الوجه أو الفم أثناء الحديث، وهو ما أثار استياءهم مما ظهر في التقليد منه
- وليس عيبًا أن يوضح الفنان خالد الجبري أنه لم يقصد الانتقاص من هذه اللهجة الجميلة، فهي لهجة جمهورٍ واسعٍ يُحبّه ويتابعه في تهامة، ومن حقّهم عليه أن يُقدّر محبتهم ويُحترم لغتهم الأصيلة التي يعتزون بها.
فاللهجة التهامية ليست مجرد طريقة نطقٍ، بل هويةٌ وتاريخٌ ومجدٌ، نعتزّ به وننقله بفخرٍ إلى الأجيال القادمة.
*من صفحة الكاتب على الفيسبوك