الحراك التهامي بين إرث الشهيد حجري وأزمة القيادة الراهنة
بقلم: عدنان حجر
رحل القائد الذي كان الحراك التهامي في عهده يمضي على قدمين ثابتتين، بإرادة حرة وصوت مسموع، بعيداً عن التلوث السياسي ومطامع الوصول. رحل الرجل الذي اتفق كثيرون على أنه لا بديل له في القيادة الميدانية والإنسانية؛ القائد الشهيد عبدالرحمن حجري، قائد الحراك التهامي ومقاومته المسلحة، ضمير تهامة الحرة وروح الحراك الطاهرة النقية، الذي ترك فراغاً لا يزال يثقل كاهل القضية التهامية حتى اليوم.
لقد كان الشهيد حجري محافظاً على قوة الحراك وحضوره محلياً وعربياً ودولياً، وكان حلمه بتحول الحراك الشعبي إلى حراك مؤسسي منظم بمرجعية واضحة، ونظام داخلي، وقيادة منتخبة تجمع بين الكوادر المخضرمة وشباب تهامة الأحرار. كان هذا الحلم يصطدم بإحاطته بما كان يدرك حدوثه اليوم. حلمٌ لم يكتمل برحيله، لكنه ظل وقوداً للأمل لدى مناضلي وأحرار تهامة وأنصار القضية التهامية.
رحل الشهيد حجري وإرثه النضالي يمثل النموذج الذي يمكن أن تستعيد به تهامة بوصلتها. فقد قال قبل رحيله مخاطباً أحرار تهامة والحراك التهامي:
((أنتم الأمل – بعد الله في انتزاع الحق لأهلكم في تهامة، فكونوا كما عهدناكم إرادةً وعزماً وقوةً وانضباطاً وأخلاقاً… وسنمضي ونقتحم الآفاق وتكون دماؤنا تبدد هذا الظلام وناراً تحرق الأعداء))
وهي وصية لا تزال مفتوحة تنتظر من يحملها بصدق، لإنصاف الأرض والإنسان والقضية.
ووجد التهاميون أنفسهم أمام قيادة جديدة جاءت من اجتماعات واتفاقات وبيعات سياسية متباينة، حملت معها وعوداً كبيرة، لكنها سرعان ما كشفت عن انشقاق قاد إلى انقسامات عميقة، بظهور الصراع الداخلي على قيادة المرحلة. واختلفوا على فصل الحراك عن المقاومة، وخلافهم خلاف حق يُراد منه باطل، فكان الانشقاق وكان الانقسام، وليس في انقسامهم رحمة.
وظهرت في قيادة المرحلة أصوات أمينة صادقة تعمل من أجل وحدة الصف التهامي، وهي ممن تفضل أن تكون في آخر الصف حين تُوزع الامتيازات، وتتقدم حين يتطلب الأمر تحمل المسؤولية. وأخرى غير أمينة تخلط بين العمل النضالي والتبعية ومكاسب النفوذ.
وتجدهم مستعدين أن يبيعوا مظلاتهم ويبقوا تحت المطر بدافع التبعية والجشع والوصولية، ويفسرون العمل السياسي بمنطق المصالح والمزادات لا بالمسؤولية التاريخية تجاه الأرض والإنسان والقضية.
يتحدثون عن القضية من أبواب مختلفة، وخطابات وتصريحات حذرة، ويتحدثون عن السيادة والتحرير وهم شتى، وضحاياهم تهامة الأرض والإنسان والقضية. متقاربون فيما بينهم في الأسماء والقضية واللهجة والهوية، وعدم احتضان الكوادر الشابة من عناصر الحراك التهامي، وفي الاستسلام للوضع المنهار والواقع المسخرة، وآخر تقاربهم موقفهم على الحياد: لا تأييد ولا رفض لقرارات رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي.
متباعدون في اتخاذ القرار، وفي الخطاب السياسي، وفي الأهداف الشخصية، والوسيلة، والطريقة، والمنهجية، والمرجعية التهامية والوطنية. ويفتقدون فيما بينهم إلى المنهجية والمرجعية في الإدارة والقيادة الجمعية، كما يفتقدون إلى الرؤية الواضحة في اتخاذ القرار التهامي، والثقة، والتماسك، والانسجام، والإرادة الحرة الجمعية.
إن أزمة الحراك التهامي اليوم ليست أزمة أفراد فقط، بل أزمة منهج ومرجعية وإدارة. فالقضية – رغم عدالتها – تفتقر إلى قيادة واضحة، ورؤية موحدة، وثقة مشتركة، بعيداً عن التبعية والمصالح الشخصية، وإرادة جمعية قادرة على اتخاذ القرار.
ولذا، فإن النداء الذي نوجهه إلى الزملاء قادة المرحلة يمكن اختصاره في الآتي:
إذا أردتم أن تنتصروا لتهامة، فعليكم دفن الخلافات، وتوحيد القرار، واعتماد الشفافية، وإعادة احتضان الكوادر الشابة، واستثمار الاختلافات لصالح القضية لا ضدها.
فلا أحد سينتصر لقضيتكم غيركم، وإن ظل بينكم من يفضل التبعية على الحرية، فلن يكون النصر ممكناً.
وتبقى سيرة القائد الشهيد عبدالرحمن حجري النموذج الذي يمكن أن تستعيد به تهامة بوصلتها.
رحمه الله رحمة الأبرار، وأسكنه فسيح جناته.