رسالة إلى أهلنا في تهامة: حين تكون المعركة مع الذات قبل الخصوم
ليست أزمة تهامة ــ كما يتوهم بعضهم ــ أزمة رجالٍ غابوا، ولا إمكاناتٍ شحّت، ولا تاريخٍ انقطع؛ فتهامة أنجبت الرجال حين عزّ الرجال، وحملت من الخيرات ما يكفيها ويكفي غيرها، وصنعت عبر تاريخها مواقف لو كُتبت بمداد الإنصاف لكانت مفخرة للأجيال.
لكن المأساة الحقيقية، المؤلمة حدّ الوجع، تكمن في مكان آخر: في ضعف الشخصية الجمعية، وفي انكسار الهيبة الداخلية، وفي تفكك الموقف حين يكون التماسك هو السلاح الأول.
لقد اعتدنا ــ ويا للأسف ــ أن نفتح الأبواب لمن يأتي من خارج تهامة، لا يعرف أرضها، ولا يشعر بحرّها، ولا يسهر على وجعها، ثم لا نكتفي باستقباله، بل نرفعه فوق أعناقنا، ونمنحه القيادة، ونسلمه القرار، ونمنحه ما لم نعطه لخيرتنا من أبنائنا.
نسير خلفه طوعا، وننقل إليه أخبارنا، ونكشف له خلافاتنا، بل ونتسابق أحيانا في الوشاية ببعضنا، كأننا نبحث عمّن يصنع لنا سيدا، أو يفرض علينا وصاية، أو يلبسنا ثوب التبعية باسم المصلحة.
وهكذا، وبأيدينا، لا بأيدي غيرنا، نصنع له سلطانا، ونمنحه نفوذا، ونرسخ حكمه، حتى تصبح كلمته نافذة في أرضنا، ورأيه مقدما على رأينا، ونصير نحن غرباء في ديارنا، أتباعا في أرضٍ كانت لنا.
إن الهيبة ــ يا أبناء تهامة ــ لا تُستجدى من الآخرين، ولا تُنتزع بالصراخ، ولا تُبنى على التبعية، بل تُصان بالوحدة، وتُحفظ بالثقة المتبادلة، وتقوم على ستر العيوب لا على فضحها، وعلى معالجة الخلاف داخل البيت لا جرّه إلى الخارج.
فالخلاف بين الإخوة سنّة بشرية، لكن تحويله إلى مادة بيد الغريب جريمة في حق الأرض والهوية والكرامة.
تهامة لم تكن يوما أرض ضعف، ولم يعرف عنها الاستسلام، لكنها اليوم تُستنزف من الداخل قبل أن تُستهدف من الخارج. ضعفها ليس قدرا، بل صنيع أبنائها حين يختلفون بلا حكمة، ويتنازعون بلا وعي، ويقدّمون خصوماتهم الشخصية على مصلحة الأرض والإنسان.
إن أخطر ما تواجهه تهامة اليوم ليس خصما مدججا بالسلاح، بل عقلا مهزوما، وشخصية مترددة، وموقفا متشظيا.
فالخصم الخارجي لا ينتصر إلا حين يجد في الداخل من يفتح له الثغرات، ويهيئ له الطريق، ويبرر له التدخل، ويغطي فشله بتبادل الاتهامات.
يا أبناء تهامة..
راجعوا مواقفكم قبل أن تراجعوا خصومكم،
وأعيدوا الاعتبار لكرامتكم قبل أن تطالبوا الآخرين باحترامكم،
وابنوا هيبتكم بوحدتكم لا بأسمائكم، وبمواقفكم لا بشعاراتكم،
وتذكروا أن الأرض التي لا يدافع عنها أهلها، ولا يحكمها وعي أبنائها، سيحكمها غيرهم، مهما طال الزمن أو قصر.
وإن كان لا بد من رسالة أخيرة، فهي هذه:
اجعلوا خلافاتكم جسرا للإصلاح لا سكاكين للطعنة،
واجعلوا تهامة فوق الأشخاص، والمصلحة العامة فوق الحسابات الضيقة،
فالأوطان لا تُباع دفعة واحدة، بل تُفرّط قطعة قطعة،
وأول التفريط… أن نكسر هيبتنا بأيدينا.
#عاشة تهامة حرة أبية#