مقالات

تأخير الحسم مع الحوثيين.. حين تتحول السياسة إلى كلفة مفتوحة على حساب اليمنيين

بقلم: أحمد حوذان

لم يعد تأخير الحسم العسكري في مواجهة جماعة الحوثي مجرد خيار سياسي قابل للأخذ والرد، بل بات مع مرور الوقت عاملًا مباشرًا في تعميق الأزمة اليمنية وإطالة أمدها. فكل مرحلة “انتظار” لا تنتج تسوية حقيقية، تتحول تلقائيًا إلى مساحة إضافية تتمدد فيها الجماعة، وتعيد خلالها ترتيب أدوات السيطرة وفرض واقع جديد بالقوة.

المشكلة لا تكمن فقط في استمرار الصراع، بل في طبيعة الطرف الذي يتم التعامل معه. فالحوثيون لا يمثلون حركة احتجاجية تقليدية أو فصيلاً سياسياً يمكن دمجه بسهولة في العملية السياسية، بل يحملون مشروعًا أيديولوجيًا مغلقًا، يقوم على فكرة “الحق الإلهي” في الحكم، ويعيد إنتاج نموذج الإمامة بصيغة معاصرة. وهذا ما يجعل أي مقاربة تقوم على المساومات الجزئية أو الحلول المؤقتة غير كافية، بل وربما مضللة.

على الأرض، تبدو كلفة هذا التأخير واضحة. سنوات من الصراع أنتجت واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، حيث الملايين بحاجة إلى مساعدات، والبنية التحتية منهارة، والاقتصاد في حالة شلل شبه كامل. لكن الأخطر هو ما يجري داخل المجتمع نفسه، حيث تعمل الجماعة على إعادة هندسة الوعي عبر التعليم والإعلام والخطاب الديني، بما يخدم مشروعها طويل الأمد.

الانتهاكات لم تتوقف عند حدود القتال. تقارير حقوقية متعددة وثّقت نمطًا ممنهجًا من القمع، شمل الاعتقالات التعسفية، والإخفاء القسري، والتعذيب، ومصادرة الممتلكات. وكانت النساء ضمن الفئات الأكثر تضررًا، حيث تعرضت كثيرات للاحتجاز والانتهاك بسبب نشاطهن المجتمعي أو حتى آرائهن الشخصية، في محاولة لإسكات أي صوت معارض داخل المجتمع.

أما الأطفال، فقد وجدوا أنفسهم في قلب الصراع، لا على هامشه. عمليات التجنيد المستمرة حوّلت آلاف القُصّر إلى مقاتلين، في انتهاك صارخ للقانون الدولي، وتهديد مباشر لمستقبل جيل كامل. هؤلاء الأطفال لا يخسرون طفولتهم فقط، بل يتم تشكيل وعيهم في بيئة عنيفة، ما يخلق دورة ممتدة من الصراع يصعب كسرها لاحقًا.

في المقابل، ورغم صدور قرارات عن مجلس الأمن الدولي تؤكد على إنهاء الانقلاب وتسليم السلاح والانسحاب من المدن، فإن غياب آليات تنفيذ حقيقية جعل هذه القرارات أقرب إلى إطار نظري غير ملزم. وقد استغلت الجماعة هذا الفراغ لتكريس واقعها، دون أن تواجه ضغطًا كافيًا يجبرها على تقديم تنازلات جوهرية.

إقليميًا، يتجاوز تأثير الحوثيين حدود اليمن، إذ أصبحوا جزءًا من شبكة نفوذ أوسع تستخدم الصراعات المحلية كأدوات لتحقيق أهداف استراتيجية أكبر، وهو ما يفسر تصاعد التوتر في الممرات البحرية وتهديد أمن الملاحة، وما يترتب عليه من انعكاسات اقتصادية عالمية.

في ظل هذا المشهد، يطرح خيار الحسم العسكري نفسه مجددًا، ليس كخيار مثالي، بل كخيار فرضته الوقائع. فاستمرار الوضع الحالي يعني ببساطة استمرار النزيف، وتضخم كلفة التعافي مستقبلًا. وبينما قد يكون الحسم مكلفًا على المدى القصير، فإن كلفة اللا حسم تبدو، وفق المعطيات، أكثر خطورة واستدامة.

مع ذلك، لا يمكن اختزال الحل في البعد العسكري فقط. أي مسار مستقبلي يحتاج إلى مقاربة شاملة تدمج بين الضغط العسكري، والتحرك السياسي، والمعالجة الاقتصادية، وإعادة بناء المؤسسات. لكن الشرط الأساسي لأي تسوية قابلة للحياة هو وجود توازن حقيقي في القوة يمنع فرض الأمر الواقع بالقوة.

اليمن اليوم يقف أمام معادلة صعبة: إما الاستمرار في إدارة الأزمة، أو الانتقال إلى إنهائها. وبين الخيارين تتحدد ملامح المستقبل. غير أن ما لا يمكن تجاهله هو أن ثمن التأخير لم يعد نظريًا، بل يُدفع يوميًا من حياة الناس، ومن فرص الاستقرار، ومن إمكانية بناء دولة قادرة على البقاء.

وفي لحظة كهذه، لم يعد السؤال: هل يمكن الحسم؟

بل: كم سيكلفنا تأجيله أكثر؟