اليمن

مليشيا الحوثي توظف التصعيد في البحر الأحمر لتعزيز التعبئة الداخلية

تتجه التطورات المتسارعة في البحر الأحمر إلى فتح مرحلة جديدة من التصعيد، لا تقتصر تداعياتها على أمن الملاحة الدولية، بل تمتد لتؤثر بشكل مباشر على المشهد الداخلي في اليمن، حيث كثفت مليشيا الحوثي من إجراءات التعبئة والاستنفار، في محاولة لتعزيز جاهزيتها العسكرية والأمنية والإعلامية لمواجهة أي تطورات محتملة.

وخلال الأيام الأخيرة، برز مضيق باب المندب وجنوب البحر الأحمر بوصفهما من أكثر المناطق توتراً، عقب إعلان المليشيا فرض حظر بحري وتوسيع عمليات استهداف ناقلات النفط، في خطوة يرى مراقبون أنها تمثل امتداداً لحملة التعبئة العامة التي أطلقتها الجماعة قبل نحو شهر، والتي وفرت لها قاعدة بشرية وتنظيمية للانتقال إلى مستوى أعلى من التصعيد.

ويرى الباحث في العلوم السياسية محمد الحميري أن هذا النهج قد ينعكس سلباً على المليشيا، إذ يفتح الباب أمام إعادة تنشيط الجبهات الداخلية، ويشجع القوى الإقليمية والدولية على زيادة دعمها للحكومة اليمنية، ما قد يجعل الساحل الغربي ومحافظة الحديدة محوراً لأي عمليات عسكرية مقبلة تهدد نفوذ الجماعة في تلك المناطق.

وأوضح أن انخراط الحوثيين في التصعيد الإقليمي لم يحقق لهم مكاسب استراتيجية ملموسة، بقدر ما جاء في إطار أدوار مرتبطة بحسابات إقليمية أوسع، مشيراً إلى أن إنهاء مهمة بعثة الأمم المتحدة في الحديدة خلال مارس الماضي قد يعكس تغيراً في النظرة الدولية تجاه سيطرة الجماعة على الساحل الغربي.

وأضاف أن مواقف القوى الدولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، شهدت تحولاً ملحوظاً نتيجة الهجمات الحوثية على الملاحة في البحر الأحمر، مقارنة بالفترة التي أعقبت اتفاق استوكهولم، الذي منح الجماعة مكاسب سياسية رغم تقدم القوات الحكومية آنذاك.

وتشير التقديرات إلى أن حملة التعبئة الأخيرة تجاوزت مفهوم التجنيد التقليدي، من خلال توسيع برامج التدريب تحت مسمى “دورات طوفان الأقصى”، واستهداف الجامعات والمؤسسات الحكومية لاستقطاب عناصر جديدة، إلى جانب تكريس خطاب تعبوي يهدف إلى تهيئة المجتمع لاحتمال اتساع رقعة المواجهة.

وفي السياق ذاته، اعتبر مركز اليمن والخليج للدراسات الاستراتيجية أن إعلان التعبئة الذي أطلقته المليشيا في يونيو الماضي يمثل تحولاً من التعبئة المرتبطة بظروف الحرب إلى إنشاء منظومة تعبئة دائمة ذات طابع مؤسسي، موازية للقوات النظامية.

وأوضح المركز أن هذه المنظومة، التي تستلهم نموذج “الباسيج” الإيراني، لا يقتصر دورها على رفد الجبهات بالمقاتلين، بل تمتد إلى تعزيز الرقابة المجتمعية، وتوسيع شبكات الولاء، ودعم الأجهزة الأمنية، عبر مكتب التعبئة الذي أنشأته الجماعة ليكون مركزاً إدارياً وعسكرياً يعزز تماسكها الداخلي.

ومع التصعيد الأخير في البحر الأحمر، انتقلت المليشيا من استهداف السفن المرتبطة بإسرائيل إلى توسيع نطاق عملياتها وإعلان حظر بحري، وهو ما أثار مخاوف متزايدة بشأن أمن الملاحة الدولية وإمدادات الطاقة، وأظهر أن نتائج حملة التعبئة بدأت تنعكس بصورة مباشرة على مستوى العمليات العسكرية خارج اليمن.

من جانبه، يرى الباحث السياسي صلاح علي صلاح أن مليشيا الحوثي ما زالت تمتلك قدرة كبيرة على الحشد والتجنيد، مستفيدة من سيطرتها على الموارد واحتكارها مصادر المال والغذاء، إضافة إلى استخدام وسائل الترهيب والترغيب لإجبار السكان على الانخراط في صفوفها.

وأشار إلى أن استمرار حالة “اللاحرب واللاسلم” فرض ضغوطاً داخلية على الجماعة، ما دفعها إلى إعادة إحياء خطاب “الحصار” وتوجيه اهتمام الرأي العام نحو خصوم خارجيين، بالتوازي مع إعادة ترتيب أولوياتها العسكرية.

وأضاف أن استغلال الشعارات الدينية والقضية الفلسطينية ومفاهيم السيادة ورفع الحصار، إلى جانب تردي الأوضاع الاقتصادية، يوفر للمليشيا بيئة مناسبة لاستقطاب مقاتلين جدد بتكاليف منخفضة، وهي سياسة عملت على تطويرها خلال السنوات الماضية.

ويؤكد مراقبون أن التعبئة الحوثية لم تعد مجرد استجابة لاحتياجات الجبهات العسكرية، بل أصبحت جزءاً من استراتيجية بعيدة المدى تهدف إلى إدارة صراع طويل، عبر توظيف التصعيد الإقليمي لتبرير استمرار الاستنفار، وتوفير غطاء سياسي وشعبي لقراراتها، بما يسهم في تخفيف الضغوط الاقتصادية والسياسية داخل مناطق سيطرتها.

بدوره، يرى الكاتب اليمني باسم منصور أن التصعيد في البحر الأحمر يمثل رسالة تحدٍ للضغوط الدولية، خصوصاً في ظل استمرار التحذيرات والضربات الأميركية المرتبطة بالنفوذ الإيراني، مؤكداً أن الجماعة اعتادت استخدام التوترات العسكرية لتعطيل جهود السلام ورفع كلفة الضغوط الخارجية.

وأضاف أن حملة التعبئة التي أطلقتها المليشيا قبل شهر لم تكن مجرد استعراض للقوة، بل شكلت خطوة مدروسة لتهيئة الأرضية لتوسيع المواجهة البحرية، وتحويل البحر الأحمر إلى ورقة ضغط تمس الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة.

وتعكس التطورات الأخيرة، بحسب مراقبين، انتقال المليشيا من استهداف سفن محددة إلى توسيع دائرة تهديد الملاحة الدولية، ما ينذر بمرحلة أكثر تعقيداً في أحد أهم الممرات البحرية العالمية، ويمنحها أوراق ضغط تتجاوز حدود الصراع اليمني.

ويخلص محللون إلى أن التصعيد الجاري في البحر الأحمر يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتحولات التي تشهدها الساحة اليمنية، إذ يمثل امتداداً لحملة التعبئة الداخلية التي انتقلت من مرحلة الحشد إلى توظيف القوة في سياق إقليمي أوسع، وسط تصاعد المخاوف من أن تنعكس تداعيات هذه المواجهة على أمن الطاقة العالمي واستقرار المنطقة بأكملها.