لا تمنحوه الفرصة
إن قراءة الطبيعة العقائدية والقتالية لمليشيا الحوثي الإرهابية تعفي أي متابع للشأن اليمني من أوهام السلام المزعوم أو انتظار أوهام التعايش. هذه الجماعة التي تأسست على استباحة دماء المخالفين لمشروعها لا يمكن أن تُهدي اليمنيين وردًا ولا قصب سكر، بل سارعت منذ نشأتها الأولى إلى ملء جغرافيا الوطن بأدخنة البارود والدمار.
إن من يظن أن هناك خطوطًا حمراء أخلاقية أو إنسانية تحكم تصرفات هذه المليشيات فهو يجهل تاريخها القريب والبعيد؛ فالعدوان بالنسبة لها ليس مجرد قرار سياسي مؤقت بل عقيدة جارفة ومسار حياة، تقتنص من خلاله كل الفرص المواتية للتمكين والانقضاض، ولو ملكت هذه الجماعة الإرهابية أن تمنع عن اليمنيين الهواء المباح لفعلت ذلك دون ذرة تردد أو ندم.
إن مراجعة خاطفة وفاحصة لسجل هذه المليشيات المظلم، بدءًا من الحروب الست في مران وصعدة، مرورًا بحصار دماج واجتياح عمران وسقوط العاصمة صنعاء، وصولًا إلى غزواتها الإجرامية على عدن، أبين، الضالع، الحديدة، وحجة، وما تشهده جبهات مأرب وحضرموت اليوم ، تؤكد حقيقة ناصعة واحدة: اليمنيون يخوضون معركة مصيرية لا تقبل أنشطة التهدئة الزائفة أو أنصاف الحلول. إن الدماء الزكية التي سالت منذ عام 2015 وحتى اليوم لن تتوقف عن الجريان ما دامت هذه الجماعة السلالية جاثمة على صدر الشعب، ومسألة تأجيل المعركة الشاملة معها هي الفعل الخاطئ والخطأ الاستراتيجي الفادح الذي يجب ألا يتسامح فيه الناس مع القيادة السياسية ورئاسة الدولة.
في ظل مواجهة عدو خالي من الشرف والضمير، يتوجب على القيادات العسكرية ورئاسة الدولة مراجعة الاختلالات الميدانية بصرامة وحزم بالغين. إن الحفاظ على دماء الأبطال في القوات المسلحة والمرابطين في مختلف الثغور ليس مجرد واجب أخلاقي أو إنشائي، بل هو الركن الأساسي والأول لكسب هذه الحرب المصيرية.
ومن أبرز هذه الاختلالات التي يجب معالجتها فورًا هو إنهاء ظاهرة التجمعات المكشوفة داخل المعسكرات في خيام مرصوصة تبدو كأهداف سهلة ومكشوفة للطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية.
إن معنى الطوارئ الحقيقي يتلخص في عدم التواجد بمجاميع كبيرة ومشهودة، بل بتدريب كل فرد في القوات المسلحة على كيفية التحصين الفردي، وحفر الخنادق، والتخندق الشخصي، والنوم في الحفر المقاومة للاستهداف، وتطبيق قواعد التخييم والتمويه العسكري الشامل
إن عقيدة الجندية تقتضي غرس مفهوم واضح مفاده أن الجميع في حرب مع عدو إرهابي لا يرقب في مؤمن إلًا ولا ذمة، وأن الحفاظ على أرواح المقاتلين وأدوات السلامة يتم عبر الالتزام الصارم بتكتيكات الحيطة والحذر وليست نزهة أو تساهلاً.
إن الجندي في معسكره يضع الشهادة أو الإصابة ضمن قائمة الاحتمالات بنسبة كبيرة وهو يدرك قيمة التضحية، لكن هذا الاستعداد الوطني العالي يتطلب مقابلاً متكافئًا من القيادة؛ وهو إعلان صافرة البداية لمعركة فاصلة تُستنفر فيها طاقات الشعب اليمني كاطبة من شرقه إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه. إن التضحية والشهادة هما الطريق المعمد بالدماء لليمنيين منذ سنوات، والسبيل الوحيد لكبح جموح هذا المشروع الإرهابي هو حشد الجهود، وتصحيح الأخطاء الميدانية، والانطلاق بوعي وجاهزية نحو استعادة الدولة وإعادة الأمن والاستقرار للوطن.